تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ختم الأولياء — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
شرح
( طبيعيا إلا إذا كان المحب من عالم الطبيعة ، لا بد من ذلك . وذلك ان الحب الطبيعي سببه نظرة أو سماع . فيحدث في خيال الناظر مما رآه ، ان كان المحبوب ممن يدرك بالبصر ، وفي خيال السامع مما سمع . فحمله في نشأته فصوره في خياله بالقوة المصورة . - وقد يكون المحبوب ذا صورة طبيعية مطابقة لما تصور في الخيال أو دون ذلك أو فوق ذلك . وقد لا يكون للمحبوب صورة ، ولا يجوز ان يقبل الصور . فصور هذا المحب من السماع ما لا يمكن ان يتصور . ولم يكن مقصود الطبيعة في تصوير ما لا يقبل الصورة إلا اجتماعها على امر محصور ينضبط لها ، مخافة التبديد والتعلق بما ليس في اليد منه شيء . فهذا هو الداعي لما ذكرناه ، من تصوير من ليس بصورة ؛ أو من تصوير من لم يشهد له صورة وان كان ذا صورة . وفعل الحب في هذه الصورة ان يعظم شخصها حتى يضيق محل الخيال عنها فيما يخيل اليه . فتثمر تلك العظمة والكبر التي في تلك الصورة تحولا في بدن المحب . فلهذا تنحل أجساد المحبين ، فان مواد الغذاء تنصرف إليها فتعظم ونقل عن البدن فينحل ؛ فان حرقة الشوق تحرقه فلا يبقى للبدن ما يتغذى به . وفي ذلك الاحتراق نموّ صورة المحبوب في الخيال : فإن ذلك اكلها . ثم إن القوة المصورة تكسو تلك الصورة في الخيال حسنا فائقا وجمالا رائقا يتغير لذلك الحسن صورة المحب الظاهرة . فيصفرّ لونه وتذبل شفته وتغور عينه . ثم إن تلك القوة تكسو تلك الصورة قوة عظيمة تأخذها من قوة بدن المحب فيصبح المحب ضعيف القوى ، ترعد فرائصه . ثم إن قوة الحب في المحب تجعله يحب لقاء محبوبه ويجبن عند لقائه . لأنه لا يرى في نفسه قوة للقائه . ولهذا يغشى على المحب ، إذا لقي المحبوب ويصعق . ومن فيه فضلة وحبه ناقص ، يعتريه عند لقاء محبوبه ارتعاد وخبلان ، كما قال بعضهم :أفكر ما أقول إذا افترقنا * واحكم دائبا حجج المقال فانساها إذا نحن التقينا * وانطق حين انطق بالمحالثم إن قوة الحب الطبيعي تشجع المحب بين يدي محبوبه ، له لا عليه . فالمحب جبان شجاع مقدام . فلا يزال هذا حاله ، ما دامت تلك الصورة موجودة في خياله إلى أن يموت وينحل نظامه ، أو تزول عن خياله فيسلو . ومن الحب الطبيعي ان تلتبس تلك الصورة في خياله ، فتلصق بصورة نفسه المتخيلة له . وإذا تقاربت الصورتان في خياله تقاربا مفرطا والتصقتا ( الأصل : وتلتصق ) به التصاق ( الأصل : لصوق ) الهواء بالناظر ، يطلبه المحب في خياله فلا يتصوره ويضيع ولا ينضبط له للقرب المفرط - فيأخذه لذلك خيال وحيرة ، مثل ما يأخذ من فقد محبوبه . وهذا هو الاشتياق . - والشوق من البعد ، والاشتياق من القرب المفرط .