شرح
( كان قيس ليلى في هذا المقام ، حيث كان يصبح : ليلى ! ليلى ! في كل ما يكلم به . فإنه كان يتخيل انه فقيد لها ، ولم يكن . وانما قرب الصورة المتخيلة أفرطت في القرب فلم يشاهدها ؛ فكان يطلبها طلب الفاقد . ألا تراه حين جاءته من خارج ، فلم تطابق صورتها الظاهرة الصورة الباطنة المتخيلة ، التي مسكها في خياله منها ، فرآها كأنها مزاحمة لتلك الصورة فخاف فقدها - فقال لها : إليك عني ، فان حبك شغلني عنك ! يريد ان تلك الصورة هي عين الحب ، فبقي يطلبها : ليلى ! ليلى ! . . .
فإذا تقوّت تلك الصورة في خيال المحب ، أثرت في المحبوب تأثير الخيال في الحس .
مثل الذي يتوهم السقوط فيسقط ، أو يتوهم أمرا ما مفزعا فيتغير له المزاج فتتغير صورة حسه .
كذلك هذه الصورة ، إذا تقوّت أثّرت في المحبوب : فقيّدته وصيّرته أشد طلبا لها منها له .
فان النفوس قد جبلت على حب الرياسة . والمحب عبد مملوك بحبه لهذا المحبوب . فالمحبوب لا يكون له رياسة إلا بوجود هذا المحب . فيعشقه على قدر عشقه رياسته . وانما يتيه عليه للطمأنينة الحاصلة في نفس المحبوب ، بان المحب لا يصبر عنه ، وهو طالب إيّاه . فتأخذه العزة ظاهرا ، وهو الطالب له باطنا . ولا يرى في الوجود أحدا مثله ، لكونه ملكه .
فالمحب لا يعلل فعل المحبوب ، لان التعليل من صفات العقل ولا عقل للمحب . يقول بعضهم :ولا خير في حب يدبر بالعقلوانشدني أبو العباس المقرّاني ، وكان من المحبين ، لنفسه :الحب املك للنفوس من العقلوالمحبوب يعلل افعال المحب بأحسن التعليل ، لأنه ملكه . فيريد ان يظهر شرفه وعلوه حتى يعلو المحبوب ، إذ هو المالك . وهو يحب الثناء على نفسه . وهذا كله فعل الحب ، فعل في المحبوب ما ذكرناه وفعل في المحب ما ذكرناه . وهذا من أعجب الأشياء : ان المعني أوجب حكمه لمن لم يقم به وهو المحبوب . فإنه أثّر فيه حبّ المحب ، كما اثّر في المحب ! كمسألة المعتزلي : ان اللّه مريد بإرادة لم تقم بمحل ؛ بل خلقها إما في محل أو بلا محل ، وأراد بها ! وهذا خلاف المعقول : ايجاب المعاني احكامها لمن لم تقم به . وكذلك الحب لا يجتمع مع العقل في محل واحد . فلا بد ان يكون حكم الحب يناقض حكم العقل :فالعقل للنطق * والتهيام للخرس !ثم إنه من شأن الحب الطبيعي أن تكون الصورة ، التي حصلت في خيال المحب ، على مقدار المحل الحاصلة فيه ، بحيث لا يفضل عنها منه ما يقبل به شيئا أصلا . وان لم يكن كذلك ، فما هي صورة الحب . وبهذا تخالف صورة الحب سائر الصور . كما كانت صورة العالم على قدر الحضرة الإلهية الاسمائية : فما في الحضرة الإلهية اسم الاهي ، إلا وهو على قدر أثره في نشأ العالم من غير زيادة ولا نقصان . ولهذا كان ايجاد العالم عن حب . وقد ورد ما