شرح
( أخضر ؛ أو كان ساكنا فصار متحركا . فتغيّر المحل ، اي قبل الغير . فالقدس والقدوس لا يقبل التغيير جملة واحدة .
واما القدس العرضي ، فيقبل الغير وهو النقيض . وما تفاوت الناس إلّا في القدس العرضي .
فمن ذلك ، تقديس النفوس بالرياضيات وهي تهذيب الاخلاق . وتقديس المزاج بالمجاهدات .
وتقديس العقول بالمكاشفات والمطالعات . وتقديس الجوارح بالوقوف عند الأوامر والنواهي المشروعات . ونقيض هذا القدس ما يضاده مما لا يجتمع معه في محل واحد في زمان واحد .
فهذا هو القدس ، الذي ذكرنا ملكه . - فالقدس العارض لا يكون إلّا في المركبات . فإذا اتصف المركب بالقدس ، فذلك المسمّى حظيرة القدس : اي المانعة قبول ما يناقض كونها قدسا . ومهما تمنع ، فلا تكون حظيرة قدس : فان الحظر المنع « وما كان عطاء ربك محظورا » اي ممنوعا .
فالقدس حقيقة إلاهية سيّالة سارية في المقدسين . لا يدرك لنورها لون مخصوص معيّن ، ولا عين . تسري بي حقائق الكون . ليس لعالم الأرواح ، المنفصلين عن الظلمة ، عليها اثر .
وذلك ان الأرواح المدبّرة للأجسام العنصرية لا يمكن ان تدخل ابدا حظيرة القدس . ولكن العارف الكامل يشهدها حظيرة القدس فيقول العارف ، عند ذلك : إن هذه الأرواح لا تدخل حظيرة القدس أبدا . لأن الشيء يستحيل أن يدخل في نفسه . فهي عنده ، حظيرة قدس . وغير العارف يشارك العارف في هذا الاطلاق ، فيقول : انها لا تدخل حظيرة القدس .
اي لا تتصف بالقدس ابدا . فان ظلمة الطبع لا تزال تصحب الأرواح المدبّرة في الدنيا والبرزخ والآخرة . فاختلفا في المشهد . وكلّ قال حقا ، وأشار إلى معنى . وما تواردوا على معنى واحد . ولهذا لا يتصور الخلاف الحقيقي ، في هذا الطريق .
فإذا كان ملك القدس كل من اتصف بالطهارة الذاتية والعرضية ، والقدوس اسم الاهي منه سرت الطهارة في الطاهرات كلها - فمن نظر الأشياء كلها بعين ارتباطها بالحقائق الإلهية ، كان ملك القدس جميع ما سوى اللّه من هذه الحيثية . ومن نظر الأشياء من حيث أعيانها ، فليس ملك القدس منها إلا من كان طهوره عرضيا . واما الطهور الذاتي ، فلا ينبغي ان يكون ملك القدس . إلا أن يكون ملك القدس عين القدس ، فحينئذ يصح ان يقال فيه :
ملك القدس .
وطهور كل مطهر بحسب ما تقتضيه ذاته من الطهارة . فطهارة حسية وطهارة معنوية .
فملك القدس منه ما هو من عالم المعاني ، ومنه ما هو من عالم الحس . وقد تورث الأسباب الحسية طهارة معنوية . وقد تورث الأسباب المعنوية طهارة حسية . فأما الأول ، فقوله تعالى :« وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ ». وسبب هذه الطهارة المعنوية كلها انما هو نزول هذا الماء