شرح
( خالقه . فكان يخلو بغار حراء للتحنّث فيه ، إلى أن ارسله اللّه إلى الناس كافة . فكان يذكر اللّه على كل احيانه ، كما ذكرت عنه عائشة ، أم المؤمنين ، رضي اللّه عنها ! وقد قال ، صلى اللّه عليه وسلم ، عن نفسه - وهو الصادق : « انه تنام عينه ولا ينام قلبه » . فأخبر عن قلبه انه لا ينام عند نوم عينه عن حسه . فكذلك موته : إنما مات حسّا كما نام حسّا .
فان اللّه يقول له :« إِنَّكَ مَيِّتٌ ». وكما أنه لم ينم قلبه ، لم يمت قلبه . فاستصحبته الحياة من حين خلقه اللّه . وحياته انما هي مشاهدة خالقه دائما لا تنقطع .
وقد اخبر ذو النون المصري ، حين سئل عن قوله تعالى في اخذ الميثاق - فقال : « كأنه الآن في أذني » ، يشير إلى علمه بتلك الحال . فإن كان عن تذكر ، فلم يلحق بالملائكة في هذا المقام . وان لم يكن عن تذكر ، بل استصحاب حال من حين اشهد إلى حين سئل ، فيكون ممن خصّه اللّه بهذا المقام . فلا انفيه ولا اثبته . وما عندي خبر من جانب الحق تعالى في ذلك ، مروي ولا غير مروي ، انه ناله أحد من البشر . وانما ذكرنا ذلك في حق رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، اعني انه ناله ، على طريق الاحتمال لا على القطع : فإنه لا علم لي بذلك .
والظاهر أنه تخلله ، في هذا المقام ، ما يتخلل البشر . فإنه كثيرا ما أوحى اليه في القرآن ان يقول :« قُلْ : إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ » *. فاستروحنا من هذا ان حكمه حكم البشر ، إلّا ما خصه اللّه به من التقريب الإلهي الذي ورد وثبت عندنا . وقد ثبت عنه أنه قال : « انما انا بشر ، اغضب كما يغضب البشر وارضى كما يرضى البشر » . والرضى والغضب من صفات النفس الحيوانية في البشر ، لا من صفات النفس الناطقة . وان اتصفت النفوس الناطقة بالرضى والغضب ، فما هو على حد ما اراده بقوله : « أغضب كما يغضب البشر وارضى كما يرضى البشر » . - وانما قلنا بإضافة ذلك إلى النفس الحيوانية ، لما نشاهده من الحيوانات من ذلك . وقد ثبت النهي عن رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، « عن التحريش بين البهائم » .
وجميع الحيوان كله من صفته المباشرة ، التي بحقيقتها سمي الانسان بشرا .
وبهذا القدر تبيّن فضل الملك على الانسان في العبادة ، لكونه لا يفتر ( عنها ) . لان حقيقة نشأته تعطيه انه لا يفتر : فتقديسه ذاتي . لأن تسبيحه لا يكون الا عن حضور مع المسبح . وليس تسبيحه إلّا لمن أوجده . فهو مقدس الذات عن الغفلات . فلم تشغله نشأته الطبيعية النورية عن تسبيح خالقه على الدوام ؛ مع كونهم ، من حيث نشأتهم ، يختصمون .
كما أن البشر ، من حيث نشأته ، تنام عينه ولا ينام قلبه . ولم يعط البشر قوة الملك في ذلك ، لان الطبيعة يختلف مزاجها في الاشخاص . وهذا مشهود بالضرورة في عالم العناصر ، فكيف بمن هو في نسبته إلى الطبيعة أقرب من نسبة العناصر إليها . وعلى قدر ما يكون بين الطبيعة المجردة وبين ما يتولد عنها من وسائط ، يكثف الحجاب وتترادف الظلم .