شرح
( « الجواب : المؤمن هو الذي ذكرناه ، الذي لا نور لعين بصيرته الا نور الايمان .
ف « كل شيء » عنده « هالك » عن شيئيته : شيئية ثبوته وشيئية وجوده ، « إلا وجهه » - وجه الشيء ذاته وحقيقته ؛ « وجهه » مظهره : اي ظهوره في الأعيان .
فأما شيئية ذاته - فهي المستثناة ، لا بد من ذلك . وأما « وجهه » في المظهر - فبعض أصحابنا يدخلها في « كل شيء هالك » وبعض أصحابنا . لا يدخلها هنالك . فأما من أدخلها في الهلاك - فاعتبر مظهرا خاصا ، وأما من لم يدخلها في الهلاك - فاعتبر انها لا تخلو عن مظهر ما .
وأما نحن - فلا تثبت اطلاق لفظ الشيئية على ذات الحق . لأنها ما وردت ولا خوطبنا بها ؛ والأدب أولى . والأولى ان يكون هنا « وجهه » مثل اطلاق الأول ، يريد المظهر لا هويته . والمظهر له مناسبة بينه وبين الوجه الظاهر فيه . فلذلك صح الاستثناء . قال تعالى :« إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ »فسمّاه شيئا في حال هلاكه .
فكل شيء موصوف بالهلاك . لان « هالك » خبر المبتدأ الذي هو « كل شيء » - أي كل ما ينطلق عليه اسم « شيء » فهو « هالك » ، وان كان مظهرا ؛ فهو في حال كونه مظهرا في شيئية عينه وهي هالكة . فهو « هالك » في حال اتصافه بالوجود ، كما هو « هالك » في حال اتصافه بالهلاك ، الذي هو العدم .
فان العدم للممكن ذاتيّ . اي من حقيقة ذاته ان يكون معدوما . والأشياء إذا اقتضت أمورا لذواتها ، فمن المحال زوالها . فمن المحال زوال حكم العدم عن هذه العين الممكنة ، سواء اتصفت بالوجود أو لم تتصف . فان المتصف بالوجود ما هو عين الممكن ، وانما هو الظاهر في عين الممكن ، الذي سمي به الممكن مظهرا لوجود الحق .
ف« كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ ». فلهذا نفينا عن الحق اطلاق لفظ الشيء عليه . ويكون الاستثناء استثناء منقطعا ، مثل قوله ( تعالى ) :« فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ » *. - ألا ترى لمّا استحق الحق الوجود لذاته - استحال عليه العدم . كذلك إذا استحق الممكن العدم لذاته ، استحال وجوده . فلهذا جعلناه مظهرا .
قلنا في كتاب « المعرفة » : إن الممكن ما استحق العدم لذاته ، كما يقوله بعض الناس .
وانما الذي استحقه الممكن تقدم اتصافه بالعدم على اتصافه بالوجود لذاته ، لا العدم . ولهذا قبل الوجود بالترجيح . إذن ، فالعدم المرجح عليه الوجود ليس هو العدم المتقدم على وجوده ، وانما هو العدم الذي له في مقابلة وجوده ، في حال وجوده : ان لو لم يكن الوجود لكان العدم . فذلك العدم هو المرجح عليه الوجود في عين الممكن . هذا هو الذي يقتضيه النظر العقلي .
وأمّا مذهبنا ، فالعين الممكنة إنما هي ممكنة لان تكون مظهرا ، لا لان تقبل الاتصاف