( السؤال السابع والتسعون ) : وما حظ المؤمنين من قوله :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ 137 ] ؟
شرح
( محله الدليل . ولا دليل ! فما ثمّ على ما يرد الدخل ولا الشك . بل هو مزيد .
ثم إن المؤمن على نوعين : مؤمن له عين ، فيه نور بذلك العين . إذا اجتمع بنور الايمان أدرك المغيبات ، التي متعلقها الايمان . ومؤمن ما لعينه نور سوى نور الايمان . فنظر اليه به . ونظر إلى غيره به . فالأول يمكن ان يقوم بعينه امر يزيل عنه النور ، الذي إذا اجتمع بنور الايمان أدرك الأمور التي الزمه الايمان القول بها . وهو المؤمن الذي لا دليل له . وينظر الأشياء بذاته . فيدخله الشك ممن يشككه . فان فطرته تعطي النظر في الأدلة ، إلا أنه لم ينظر . فإذا نبّه تنبّه . فمثل هذا ، ان لم يسرع اليه الذوق وإلا خيف عليه .
والمؤمن الآخر ، هو بمنزلة الجسد الذي قد تسوّت بنيته واستوت آلات قواه وتركبت طبقات عينه . غير أنه ما نفخ فيه الروح . فلا نور لعينه . فإذا كان الانسان بهذه المثابة من الطمس ، فنفخ فيه روح الايمان فأبصرت عينه بنور الايمان الأشياء - فلا يتمكن له ادخال الشكوك عليه جملة ورأسا . فإنه ما لعينه نور سوى نور الايمان . والضد لا يقبل الضد . فما له نور في عينه يقبل به الشك والقدح فيما يراه .
وهكذا هي الأذواق . وهذه فائدتها . ومن لم يكن الايمان بهذه المثابة ، والفطرة بهذه المثابة - وإلا فقليل ان يجيء منه ما جاء من الأنبياء الأولياء من الصدق بالالهيات .
فالفطرة الذكية التي تقبل النظر في المعقولات ، من أكبر الموانع لحصول ما ينبغي ان يحصل من العلم الإلهي . والفطرة المطموسة هي القابلة ، التي لا نور لعينها من ذاتها إلا من نور الايمان . فلا تعطي فطرته النظر في الأمور على اختلافها .
ومما يعضد ما قلناه ، حديث ابار النخل ؛ وحديث نزوله بأصحابه يوم بدر ؛ وقوله :« ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ »- اي ما لي علم ولا نظر بغير ما يوحي اليّ . وهذا باب لا يعرفه إلا أهل اللّه .
ومنزلة الأنبياء فيما يأخذونه من الغيب بطريق الايمان من الملائكة ، منزلة المؤمنين مع ما يأخذونه من الأنبياء . فالأنبياء مؤمنون بما يلقي إليهم الروح . والروح مؤمن بما يلقي اليه من يلقي اليه .
فحظّ المؤمن ، كان من كان ، من « الظاهر » ما ألقي اليه . وحظّه من « الباطن » ما استتر به . وحظّه من « الأول » علم الخواطر الإلهية . وحظّه من « الآخر » الحاق بقية الخواطر بالخواطر الإلهية . وهو تتميم قوله :« وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ».
( فتوحات : 2 : 98 - 99 )
( 137 ) « الجواب : إنّي أراكم من خلف ظهري » ( الجواب المستقيم ، ورقة 249 / ب ) .