تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ختم الأولياء — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
شرح
( حيث عقله قد لا يعمل بها من حيث شرعه . فالعامل بها من حيث عقله ينسبها إلى هياكل منوّرة أو عقول مجردة عن المواد ، لا بد من ذلك . والعامل بها من حيث شرعه ، ينسبها إلى اللّه سبحانه ، وينسبها ، من حيث آثارها وما تنظر اليه لوضح الوسائط بينك وبينها ، إلى الهياكل النورية والعقول المجردة عن المواد . وأما العامّة فلا يعرفونها إلا للّه خاصة أو للأسباب القريبة المعتادة المحسوسة خاصة ؛ لا يعلمون غير هذا . وما رأيت ولا سمعت عن أحد من المقربين انه وقف مع ربه على قدم العبودية المحضة . فالملأ الأعلى يقول :« أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ». والمصطفون من البشر يقولون : « ربنا ، اننا ظلمنا أنفسنا » . ويقولون :« رَبِّ ! لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ». ويقولون : « ان تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض من بعد اليوم » . وهذا كله لغلبة الغيرة عليهم والاستعجال ( الأصل : واستعجال ) ، لكون الانسان « خلق عجولا » . فهي حركة طبيعية أظهرت حكمها في الوقت ، فانحجب عن صاحبها من العبودة بقدر استصحاب مثل هذا الحكم لصاحبها . وكل ما كان يقدح في مقام ما ويرمي به ذلك المقام ، فان صاحب ذلك المقام لم يتصف في تلك الحال بالكمال الذي يستحقه ، وان كان من الكمّل . فنور العبودية على السواء من نور الربوبية ، فإنه من أثره . وعلى قدر ما يقدح في العبودية يقدح في الربوبية ؛ وان كان مثل هذا القدح لا يقدح ولا يؤثر في السعادة الطبيعية . ولكن يؤثر في السعادة العلمية . وأعم الدرجات في ذلك درجتان : درجة العجلة التي خلق الانسان عليها ودرجة الغفلة التي جبل الانسان عليها . ولولا أن الملأ الأعلى له جزء في الطبيعة ومدخل ، من حيث هيكله النوري ، ما وصفهم الحق بالخصام في قوله :« ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ». ولا يختصم الملأ الأعلى إلا من حيث المظهر الطبيعي ، الذي يظهر فيه كظهور جبريل في صورة « دحية » . وكذلك ظهورهم في الهياكل النورية المادية ، وهي هذه الأنوار التي تدركها الحواس ، فإنها لا تدركها إلا في مواد طبيعية عنصرية . واما إذا تجردت عن هذه الهياكل ، فلا خصام ولا نزاع إذ لا تركيب . ومهما قلت : اثنان ، كان وقوع الخصام :« لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا ». فالوحدة من جميع الوجوه هو الكمال الذي لا يقبل النقص ولا الزيادة . فانظر من حيث هي لا من حيث الموحد بها . فان كانت عين الموحد بها فهي نفسها ، وان لم تكن عين الموحد بها فهو تركيب . فما هو مقصودنا ولا مطلب الرجال . ولهذا اختلفت احكام الأسماء الإلهية من حيث هي أسماء : فأين المنتقم والشديد العقاب والقاهر ، من الرحيم والغافر واللطيف ؟ فالمنتقم يطلب وقوع الانتقام من المنتقم منه ؛ والرحيم يطلب رفع الانتقام عنه .