تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ختم الأولياء — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
شرح
( فإذا اتفق ان يخبر أنبياء الأولياء فيما يعلمهم الحق من احكام شرع رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، أو يشهدون الرسول ، صلى اللّه عليه وسلم ، فيخبرهم بالحكم في امر يرى خلافه احمد والشافعي ومالك وأبو حنيفة ، لحديث رووه صح عندهم عن طريق النقل ، فوقفت عليه أنبياء الأولياء وعلمت من طريقها ، الذي ذكرناه ، ان شرع محمد يخالف هذا الحكم وان ذلك الحديث في نفس الأمر ليس بصحيح - وجب عليهم امضاء الحكم بخلافه ضرورة . كما يجب على صاحب النظر إذا لم يقم له دليل على صحة ذلك الحديث وقام لغيره دليل على صحته ، وكلاهما قد وفي الاجتهاد حقه - فبحرم على كل واحد من المجتهدين ان يخالف ما ثبت عنده . وكل ذلك شرع واحد . فمثل هذا يظهر من أنبياء الأولياء بتعريف اللّه انه شرع هذا الرسول . فيتخيل الأجنبي فيه انه يدّعي النبوة ، وأنه ينسخ بذلك شرع رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، فيكفّره . وقد رأينا هذا كثيرا في زماننا ، وذقناه من علماء وقتنا . فنحن نعذرهم ، لأنه ما قام عندهم دليل صدق هذه الطائفة . وهم مخاطبون بغلبة الظنون . وهؤلاء علماء بالاحكام ، غير ظانين بحمد اللّه . فلو وفوا النظر حقه ، لسلموا له حاله كما يسلم الشافعي للمالكي حكمه ولا ينقضه إذا حكم به الحاكم . غير أنهم ، رضي اللّه عنهم ، لو فتحوا هذا الباب على نفوسهم لدخل الخلل في الدين من المدعي صاحب الغرض : فسدوه . وقالوا : ان الصادق من هؤلاء لا يضرّه سدنا هذا الباب . ونعم ما فعلوه ! ونحن نسلّم لهم ذلك ونصوبهم فيه ونحكم لهم بالأجر التام عند اللّه . ولكن إذا لم يقطعوا بأن ذلك مخطئ في مخالفتهم . فان قطعوا فلا عوز لهم . فان أقل الأحوال ان ينزلوهم منزلة أهل الكتاب : « لا نصدقهم ولا نكذبهم » . فإنه ما دل لهم دليل صدقهم ولا كذبهم . بل ينبغي ان يجروا عليهم الحكم ، الذي ثبت عندهم مع وجود التسليم لهم فيما ادعوه . فان صدقوا فلهم ( أجر صدقهم ) ، وان كذبوا فعليهم ( وزر كذبهم ) . فعلى هذا تجري الاحكام من أنبياء الأولياء . لا انهم أرباب شرائع بل اتباع ( شرائع ) ولا بد . ولا سيما في هذا الزمان الذي ظهرت فيه دولة محمد ، صلى اللّه عليه وسلم . والمحدثون ليست لهم هذه الرتبة . بل رتبتهم الحديث لا غير . فهم ناظرون في كل شيء ، آخذون من عين كل شيء ، من كون كل شيء مظهر حق . غير أنهم لا يتعدون حدود اللّه جملة . فان صدر منهم ما هو في الظاهر تعدّ لحد من حدود اللّه ، فذلك الحد هو بالنسبة إليك حدّ وبالنسبة اليه مباح لا معصية فيه . وأنت لا تعلم ، وهو على بيّنة من ربه في ذلك . فما اتى محرما من هذه صفته . فإنه ممن قيل فيه : « اعمل ما شئت » . فما عمل الا ما أبيح له عمله . فإنه امر لا على جهة الوعيد ، مثل قوله ( تعالى ) :« اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ »، فهذا وعيد .