تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ختم الأولياء — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
شرح
( والعاملون ثلاثة : عامل هو حقّ ؛ وعامل بحق ؛ وعامل هو خلق . وكلّ له سعي في العمل بحسب ما أضيف اليه . فان اللّه قد نسب « الهرولة » اليه ، وهي ضرب من السعي سريع . وقد قال : « ان اللّه لا يملّ حتى تملّوا » ، ثبت هذا في الحديث الصحيح . فاما سعى العمل الذي هو حق ، فالعمل يطلب الاجر بنفسه ليجود به على عامله . والعامل هنا ما يعطي حقيقته قبول الأجر ، - ولا بد من الاجر . فيكون اذن الاجر الثناء لا غير . فإنه يقبل الثناء هذا العامل الذي هو حق . ولا يقبل القصور ولا الحور ولا الولدان ولا التجليات . فإن كان العمل مما يتضمن الحسن والقبح أو لا حسن ولا قبح - فلا يضاف اليه معرّى عن الحكم بنفي أو اثبات . وصاحبه أكمل الناس نعيما في الجنة ولذة وارفعهم درجة . وما له من الجنات ، من حيث هذا العمل ، سوى جنة عدن . والعمل يطلب نصيبه في جميع الجنان ، من حيث ما هو عمل لا غير . فيعود به على صاحبه . بل يكون له مركبا إلى كل درجة في جميع الجنات . وهو المراد بقوله تعالى عنه :« نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ »إلى هنا . وقوله :« فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ »ليس هم هؤلاء ، بل العاملون بحق وبخلق الا ان يريد بقوله : « نعمأَجْرُ الْعامِلِينَ »الثناء فهو لهم . فان لفظة « نعم » و « بئس » للمدح والذم . والعامل هنا حق . والثناء له حق . و « نعم » كلمة محمدة ومدح . فيكون بهذا التأويل تمام الآية له . والتبوّء في الجنات للعمل لا له . فالمحل الذي ظهر فيه العمل ، وهو أنت ، هو الذي يتبوّأ من الجنة ، بعناية عمله الظاهر فيه ، ما شاء . إذ الصورة الطبيعية منه تطلب النعيم المحسوس والمتخيل . فلهذا أبيحت الجنات له بحكم مشيئته بشفاعة العمل الحق . فخزائن هذا السعي كلها أنوار : مباحها ومندوبها وواجبها ومحظورها ومكروهها في حكم الظاهر المقرر عند علماء الرسوم ممن ليس له كشف منهم . وهو عند علماء الرسوم ، للذين لهم الكشف الأتم في معرفة الشرائع ، اعني هذا الذي ظهر فيه هذا العمل على هذه الصفة ، ما تصرّف الا فيما حسّنه الشرع وقبله .« وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » *. واما سعي من كان عمله بحق فيقرب من هذا . انه لما شاهد ذاته عاملة ، وهو من أهل« إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ »ومن أهل « لا حول ولا قوة الا باللّه » ، نقص عن ذلك الأول . فكان صاحب كشف في عمله لاخذ الحق بناصيته في جميع ما يتصرف فيه . فامتلأت خزائنه الخمسة عندنا ، والستة عند أبي حنيفة ، نورا خالصا ونورا غير خالص ونورا مزيلا لظلمة كانت قبله . فكان ممتزج الأحوال . فلولا عناية هذا الحضور والكشف في حال السعي لما تم له هذا السعد الذي حصل له من إزالة ظلمته . فهذان الصنفان من أصحاب الاعمال في النور . فلهم اجرهم ونورهم . واما من كان سعى عاملة خلق ، فترفع له خزائن الواجبات ، أعني الفرائض في العمل