تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ختم الأولياء — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
شرح
( منهم الا عن مباشرة . ألا ترى وجود عيسى ، عليه السلام ! لما تمثل لها الروح« بَشَراً سَوِيًّا »؟ فجعله واسطة بينه تعالى ، وبين مريم في ايجاد عيسى ، تنبيها على المباشرة بقوله :« بَشَراً سَوِيًّا ». قال تعالى :« وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ ». وبشرة الشيء ظاهره . والبشرى اظهار علامة حصولها في البشرة . فقوله للشيء : « كن ! » بالحرفين : الكاف والنون ، بمنزلة اليدين في خلق آدم . فأقام القول للشيء مقام المباشرة ؛ وأقام الكاف والنون مقام اليدين ؛ وأقام الواو المحذوفة ، لاجتماع الساكنين ، مقام الجامع بين اليدين في خلق آدم . وأخفى ذكره كما خفيت الواو من « كن » . غير أن خفاءها في « كن » لامر عارض ، وخفاء الجامع بين اليدين لاقتضاء ما تعطيه حقيقة الفعل . وهو قوله :« ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »، وهو حال الفعل . لأنه ليس في حقائق ما سوى اللّه ما يعطى ذلك المشهد . فلا فعل لاحد سوى اللّه . ولا فعل عن اختيار واقع في الوجود . فالاختيارات المعلومة في العالم من عين الجبر . فهم المجبورون في اختيارهم . والفعل الحقيقي لا جبر فيه ولا اختيار . لان الذات تقتضيه . فتحقق ذلك ! فلمباشرة الوجود المطلق الأعيان الثابتة ، لظهور الوجود المقيّد ، سمّى الوجود المقيّد بشرا . واختص به الانسان لأنه أكمل الموجودات خلقا . وكل نوع من الموجودات ليس له ذلك الكمال في الوجود . فالانسان أتم المظاهر . فاستحق اسم البشر ، دون غيره من الأعيان . واما قوله تعالى :« وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ». فسمّى المكلّم هنا بشرا ، بهذه الضروب كلها من الكلام ، لما يباشره من الأمور الشاغلة له عن اللحوق برتبة الروح ، التي له من حيث روحانيته . فان ارتقى عن درجة البشرية ، كلّمه اللّه من حيث كلّم الأرواح . إذ كانت الأرواح أقوى في التشبّه . لكونها لا تقبل التحيز والانفسام ؛ وتتجلى في الصور من غير أن يكون لها باطن وظاهر . فما لها سوى نسبة واحدة من ذاتها ، وهي عين ذاتها . والبشر ، من نشأته ليس كذلك : فإنه على صورة العالم كله . ففيه ما يقتضى المباشرة والتحيز والانفسام ، وهو مسمّى البشر ؛ وفيه ما لا يطلب ذلك وهو روحه المنفوخة فيه . وعلى بشريته توجهت اليدان ، فظهرت الشفعية في اليدين في نشأته . فلا يسمع كلام الحق ، من كونه بشرا ، الا بهذه الضروب التي ذكرها ( اللّه تعالى في القرآن ) أو بأحدها . فإذا زال في نظره عن بشريته ، وتحقق بمشاهدة روحه ، كلّمه اللّه بما يكلم به الأرواح المجردة عن المواد . مثل قوله تعالى في حق محمد ، صلى اللّه عليه وسلم ، وفي حق الاعرابي :« فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ». وما تلاه عليه غير لسان محمد ،