تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ختم الأولياء — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
شرح
( وهي المحسوسات . ومرتبة من شأنها ان تدرك بالعقل أو الحواس وهي المتخيلات . وهي تشكل المعاني في الصور المحسوسة ؛ تصورها القوة المصورة ، الخادمة للعقل ؛ يقتضي ذلك امر يسمي الطبيعة فيما ينشأ منها من الأجسام الإنسانية والجنية . فلما ان شاء اللّه ان يوضح للمكلفين من عباده أسباب سعادتهم ، على ألسنة رسله من البشر إليهم ، بوساطة الروح العلوي ، المنزل بذلك على قلوب بعض البشر ، المسمين رسلا وأنبياء - اجرى المعاني في المخاطبات مجرى المحسوسات في الصور ، التي تقبل التجزّي والانقسام والقلة والكثرة . وجعل محل ذلك حضرة الخيال . فحصروا المعاني في الخطاب . فتلقتها بالتشبيه العقول ، كما تتلقي بالمحسوسات التي شبهت بها هذه المعاني ، التي ليس من شأنها ، بالنظر إلى ذاتها ، أن تكون متحيزة أو منقسمة أو قليلة أو كثيرة أو ذات حد ومقدار وكيف وكمّ . وجعل لنا الدليل على قبول ما اتى به من هذا القبيل في هذه الصور ما يراه النائم في نومه من « العلم في صورة اللبن » . فبشر به « حتى يرى الري يخرج من أظفاره فقيل له : ما اوّلته يا رسول اللّه ؟ » يريد ما تؤل ( الأصل : تؤول ) اليه صورة ما رأيت ؟ « فقال : « العلم » . ومعلوم ان العلم ليس بجسم يسمى لبنا ، ولا هو لبن . وانما هو معنى مجرد عن الصور ، التي من شأنها ان تدركها الحواس . فكان منها ما قال الشارع في تقسيم العقول على الناس ، كما تقسم الحبوب . فمن الناس من حصل له من العقل ، الممثل في الصور التي من شأنها ان تكال ، القفيز والقفيزين والأكثر والأقل ؛ - والمدّ والمدّين والأكثر من ذلك والأقل ، ليبين بهذا تفاضل الناس في العقول ، لأنه المشهور عندنا . لأنّا نرى اشخاصا كلهم يتصفون بأنهم عقلاء ، ذوو أحلام ، فمنهم من يدرك عقله غوامض الاسرار والمعاني ، ويحمل صورة الكلمة الواحدة من الحكيم على خمسين وجها ومائة وأكثر وأقل ، من المعاني الغامضة والعلوم العالية المتعلقة بالجناب الإلهي أو الروحاني أو الطبائع أو العلم الرياضي أو الميزان المنطقي . وعقل شخص ينزل عن هذه الدرجة إلى ما هو أقل . وآخر ينزل دون هذا الأقل . وعقل آخر يعلو فوق هذا الأكبر . فلما شاهدنا تفاوت العقول ، احتجنا ان نفسهما على الاشخاص ، تقسيم الذوات التي تقبل الكثرة والقلة . ويسمّى المعنى القابل لهذه القسمة المعنوية العقل الأكبر ( الأصل : الأكثر ) اي الذي قسمت منه هذي العقول ، التي في العقلاء من الموجودات بحسب ما بينهم من التفاوت . وصورة تكوين العقول من هذا العقل الأكبر ، في تحقيق الامر بطريق التمثيل والتشبيه الأقرب إلى المناسب ، بالسراج الأول . فتوقد منه جميع الفتائل ، فتتعدد السرج بعدد الفتائل ، وتقبل الفتائل من نور ذلك السراج بحسب استعداداتها . ففتيلة طبيعية ، في غاية
ختم الأولياء — صفحة 197 | الحكيم الترمذي / عثمان اسماعيل يحيى