تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ختم الأولياء — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
شرح
( الذي لا علم لنا بأجناس خلقه ، فيكون طيّه حتى لا يشارك الحق في علم حقائق الأشياء ، من طريق الإحاطة بها . إذ لو علم اي معلوم كان بطريق الإحاطة من جميع وجوهه ، كما يعلمه الحق - لما تميز علم الحق عن علم العبد بذلك الشيء . ولا يلزمنا على هذا الاستواء فيما علم منه ، فان الكلام فيما علم منه على ذلك . فان العبد جاهل بكيفية تعلق العلم مطلقا بمعلومه ، فلا يصح ان يقع الاشتراك مع الحق في العلم بمعلوم ما . ومن المعلومات العلم بالعلم . وما من المعلومات إلا وللقدر فيه حكم لا يعلمه الا اللّه . فلو علم القدر علمت احكامه ؛ ولو علمت احكامه لاستقلّ العبد في العالم بكل شيء ، وما احتاج إلى الحق في شيء ؛ وكان الغنى له على الاطلاق . فلما كان الامر بعلم القدر يؤدي إلى هذا طواه اللّه عن عباده ، فلا يعلم . فكل شخص في العالم على جهل من نفسه وعلم : فمن حيث جهله يفتقر ويسأل ويخضع ويتضرع ؛ وبعلمه بجهله يقع منه هذا الوصف . هذا إذا اتفق ان يكون ممكنا العلم به ؛ وقد قررنا انه محال لذاته . كما يعلم أنه ليس للحق من الصفات النفسية سوى واحدة لأحديته : وهي عين ذاته . فليس له فصل مقوم يتميز به عما وقع له من الاشتراك فيه مع غيره . بل له الأحدية الذاتية ، التي لا تعلل ولا تكون علة : فهي الوجود ، وما هي . ومن الأسباب التي لأجلها طوى علم ذلك عن الانسان ، لكون ذات الانسان تقتضي البوح به ، لأنه أسنى ما يمدح به الانسان ولا سيما الرسل . فحاجتهم اليه آكد من جميع الناس ، لان مقام الرسالة يقتضي ذلك . وما ثمّ علم ولا آية أقرب دلالة على صدقهم من مثل هذا العلم . قال رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، فيما وصف ربه به ، مما أوحى اليه به : « انه لا شيء أحب إلى اللّه تعالى من أن يمدح » . ولا مدحة فوق المدحة بمثل هذا . ثم إن اللّه « خلق آدم على صورته » ، فلا شيء أحب إلى العبد من أن يمدح ويثني عليه . وأسنى ما يمدح به العبد العلم باللّه ؛ وعلمه بالقدر علمه باللّه . فلو فتح للعبد الانساني العلم بالقدر - وقد امر بالغيرة فيه وطيه عمن لا ينبغي ان يظهر عليه ، وكان الانسان وهو مجبول على حب المدح ، والرسالة تعطي الرغبة في هداية الخلق أجمعين ، ولا طريق للهداية أوضح من هذا الفن - فالذي كانوا يلقونه من الكتم من الألم والعذاب في أنفسهم لا يقدر قدره . فخفّف اللّه عن الرسل مثل هذا الألم فطواه عنهم . فان جميع العالم ، ممن له قوة على ايصال ما في نفسه من الأمور إلى الخلق ، يكتمون علم مثل هذا وغيره إذا كان عندهم ، الا الجن والانس . فان النشأة من هذه القوى العنصرية تقتضي لهم ذلك . فمن كتم منهم فإنما يكتم على كره ، مما ينبغي ان يمدح به اذابته . ولولا أن إليها ثم لم تعط لها قوة التوصيل لا علمت بما تشاهده من الأمور الغيبية ، التي امر اللّه من يعلمها بسترها : مثل خوار الميت على نعشه ، وعذاب القبر ، وحياة الشهداء . فكل دابة تسمعه ،