فمن « ن » دونهم [ 73 ] ؟
شرح
( 73 ) « الجواب : ظهور المقدر . والمقدر معلوم من حيث حقيقته ؛ وانما طوى منه علم القدر بكذا وكذا . » ( الجواب المستقيم ، ورقة 244 / ب ) .
« الجواب : في السؤال حذف . وهو ان يقول : ما سبب طيّ علم القدر ، الذي طوى عن الرسل فمن دونهم ؟ فإن كان هذا الرجل يقول بفضل أفضل البشر على أفضل الملائكة ، فكأنه قال : الذي طوى عن كل ما سوى اللّه . وان كان يرى أن أفضل الملائكة أفضل من أفضل البشر ، فقوله : « فمن دونهم » لا يلزم ان من هو أفضل من الرسل ( ان يكون ) طوى عنه علم القدر . فقد يمكن ان يكون من هو أعلى يعلم ذلك . فبقي الجواب عما يقتضيه الامر في نفسه : هل ثمّ من يعلم علم القدر أم لا ؟ - قلنا : لا ، ولكن قد يعلم سرّه وتحكّمه في الخلائق . وقد أعلمنا به فعلمناه ، بحق اللّه .
وان مظاهر الحق في أعيان الممكنات ، المعبر عنها بالعالم ، هي آثار القدر وهي علامة على وجود الحق . ولا دليل أدل على الشيء من نفسه . فلم يعلم الحق بغيره ، بل علم بنفسه .
ونسبة الوجود إلى هذه الأعيان ، قد قلنا إن ذلك اثر القدر . فنعلم القدر بأثره ؛ ونعلم الحق بوجوده . وذلك لان القدر نسبة مجهولة خاصة ، والحق وجود . فيصحّ تعلّق العلم بالحق ولا يصح تعلق العلم بالقدر . فانّ علمنا بظهور المظهر في العين هو عين علمنا بالحق .
والقدر مرتبة بين الذات وبين الحق . ( فهو ) من حيث ظهوره لا يعلم أصلا . وحكمه في المظاهر حكم الزمان في عالم الأجسام ؛ فلهذا يطلقه ، أكثر المحققين ، على الأوقات المعقولة .
وقد أعلمناك ان الزمان نسبة معقولة غير موجودة ولا معدومة ؛ وهو في الكائنات .
فالوقت أعز مقاما في امتناع العلم أو تصوّره به . فلا ينال ابدا . وقد كان العزير ، رسول اللّه ، عليه السلام ! كثير السؤال عن القدر . إلى أن قال له الحق تعالى : « يا عزير ، لئن سألت عنه لا محونّ اسمك من ديوان النبوّة » .
ويقرب منه السؤال عن علل الأشياء في تكويناتها . فأفعال الحق لا ينبغي ان تعلّل .
فإنه ما ثمّ علة موجبة لتكوين شيء إلا عين وجود الذات وقبول عين الممكن لظهور الوجود . فالأزل لا يقبل السؤال عن العلل . وان ذلك لا يصدر الا من جاهل باللّه !
فالسبب الذي لأجله طوى علم القدر هو ان له نسبة إلى ذات الحق ونسبة إلى المقادير .
فعزّ ان يعلم ، عزّ الذات ؛ وعزّ ان يجهل لنسبة المقادير : فهو المعلوم المجهول ! فأعطى التكليف في العالم ، فاشتغل العالم بما كلفوا ، ونهوا عن طلب العلم بالقدر . ولا يعلم الا بتقريب الحق ، وشهوده شهودا خاصّا لهذا العلم ، المسمى قدرا .
هامش
( ن ) فماV.