تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ختم الأولياء — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
شرح
( حضرت في مجلس ، فيه جماعة من العارفين . فسأل بعضهم بعضا : من اي مقام سأل موسى الرؤية ؟ فقال له الآخر : من مقام الشوق . فقلت له : لا تفعل . أصل الطريق ، ان نهايات الأولياء بدايات الأنبياء ؛ فلا ذوق للولي في حال من أحوال أنبياء الشرائع ، فلا ذوق لهم فيه . ومن أصولنا ، انّا لا نتكلم الّا عن ذوق . ونحن لسنا برسل ، ولا أنبياء شريعة فبأي شيء نعرف من اي مقام سأل موسى الرؤية ربه ؟ نعم ، لو سألها ( - الرؤية ) وليّ أمكنك الجواب . فالتحق وجوده بالمحال العقلي ، لان الذات لا تقتضي الّا هذا الترتيب ، أو سبق العلم - كيف شئت فقل . فإن أراد السؤال عن السبب ، الذي اقتضى لذلك الرسول هذا الحظ الذي انفرد به - فقد قال صاحب المحاسن : « ليس بينه وبين عباده نسب الا العناية ، ولا سبب الا الحكم ، ولا وقت الا الأزل ؛ وما بقي فعمى وتلبيس » . واعلم أن السبب العام ، الذي عيّن المراتب العليّة لأربابها ، انما هو العناية الإلهية . وهو قوله تعالى :« وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ ». واما السبب الخاص لهذا الرسول ، للحظ الخاص الذي له من ربه - فيحتاج ذكره إلى ذكر كل رسول باسمه ، وحينئذ نذكر سببه . ورسل اللّه في البشر محصورون ، وفي الملائكة غير محصورين عندنا . لكن من شرط أهل هذه الطريقة ، إذا ادعوا هذه المعرفة ، فلا بد ان يعرفوا السبب عند تعيّن الرسول بالذكر . ولكن هو من الأسباب التي لا تذاع لئلا يتعب الخلق ، أو يتخيل الضعيف الرأي ان الرسالة تكتسب بذلك السبب ، إذا علم ، فيؤدي ذكر ذلك إلى فساد في العالم ، فيحفظ عليه الامناء . وأيضا ، فلا فائدة في اظهاره : فإنه ، بكونه رسولا ، خصّ به ( لا ) لأنه كان رسولا ، بل هو رسول بأمر عام يجتمع فيه المرسلون . قال تعالى :« تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ »، وقال :« وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ ». فكل واحد منهم فاضل مفضول ، وهو مذهب الجماعة ؛ وقد بيّن هذا أبو القاسم ابن قسيّ في « خلع النعلين » . وهو قوله ( تعالى ) :« وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ ». فخصّ آدم بعلم الأسماء الإلهية ، التي طوى علمها عن الملائكة ، فلم تسبح اللّه بها ، حتى استفادتها من آدم . وخص موسى بالكلام والتوراة ، من حيث إن اللّه كتبها بيده قبل ان يخلق آدم بأربعة آلاف سنة . وخص رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، بما ذكر عن نفسه : « من أنه أوتى جوامع الكلم » . وخص عيسى ( عليه السلام ) بكونه روحا ، وأضاف النفخ اليه فيما خلقه من الطين ؛ ولم يضف نفخا في اعطاء الحياة لغير عيسى ، بل لنفسه ، تعالى ! اما بالنون أو بالتاء التي هي ضمير المتكلم عن نفسه . وهذا ، وان كانت كلها منصوصا عليها انها حصلت لهم - فليس بمنصوص الاختصاص بها ، ولكنه معلوم من جهة
ختم الأولياء — صفحة 169 | الحكيم الترمذي / عثمان اسماعيل يحيى