شرح
( ايمان من غير علم - فان همته لا تتعلق الا باللّه . فان الايمان لا يدلّه الا على اللّه . والعلم انما يدله على الوسائط ، وترتيب الحكمة المعتادة في العالم . فصفة سير أصحاب الايمان ( انه ) ما لهم طريق إلى ذلك الا بعزائم الأمور المشروعة ، من حيث ما هي مشروعة .
وهم ( في ذلك ) على قسمين . طائفة منهم ، قد ربطت همتها على أن الرسول انما جاء منبها ومعلما بالطريق الموصلة إلى جناب الحق ، تعالى . فإذا اعطى العلم بذلك ، زال ( شخص الرسول ) من الطريق ، وجلّى بينهم وبين اللّه . فهؤلاء إذا سارعوا ، أو سابقوا إلى الخيرات وفي الخيرات - لم يروا امامهم قدم أحد من المخلوقين ، لأنهم قد ازالوه من نفوسهم وانفردوا إلى الحق ، كرابعة العدوية . فهؤلاء ، إذا حصلوا في المجالس والحديث خاطبهم الحق بالكلام الإلهي ، من غير وساطة لسان معيّن .
واما الطائفة الأخرى ، فهم قوم جعلوا في نفوسهم انهم لا سبيل لهم اليه ، تعالى ! الا والرسول هو الحاجب . فلا يشهدون منه امرا الا ويرون في سيرهم قدم الرسول بين أيديهم ، ولا يخاطبهم الا بلسانه ولغته ، كمحمد اللواني ( الأصل : الأواني ) . قال : تركت الكل ورائي ، وجئت اليه فرأيت امامي قدما ، فغرت وقلت : لمن هذا ؟ - اعتمادا مني انه ما سبقني أحد ، واني من أهل الرعيل الأول . - فقيل لي : هذه قدم نبيك ! فسكن روعي . - والحالة هي حالة عبد القادر ، وأبي السعود بن الشبل ، ورابعة العدوية ، ومن جرى مجراهم .
وأصحاب الايمان ، إذا كانوا علماء - جمع لهم بين الامرين ، فهم أكمل الرجال .
إلّا انهم ( الأصل : بشرط انهم ) ، إذا ساروا اليه واخذوا مجالسهم عنده ، بالحديث المعنوي كما تقدم وحديث السمع - رأوا سريان سرّه ، تعالى ، في الموجودات من قوله :
« من تقرّب اليّ شبرا تقرّبت منه ذراعا » ، ومن كونه « ينزل إلى السماء الدنيا » التي لا أقرب منها ، فإنها « أقرب من حبل الوريد » . فالتحق عندهم ( الأصل : عنده ) ، عالم الطبع بالعالم الروحاني ، وعاد الوجود عندهم كله ملأ أعلى ومكانة زلفى . فلم يحجبهم ( الأصل :
يحجبه ) كون ، ولا شغلهم ( شغله ) عين ؛ واستوى عندهم ( عنده ) الأين وعدم الأين ، وكان وما كان . فرأوه ( فرآه ) في الحجاب والعسس ، وسمعوا ( وسمع ) كلامه وحديثه في الغت ( الأصل : الغث ) والجرس !
هذا صفة سيرهم ، على طبقاتهم . - ومنهم من كان سيره فيه بأسمائه . فهو صاحب سير : منه ، واليه ، وفيه ، وبه ! فهو سائر في وقوفه ، وواقف في سيره ! والخضر والافراد من أهل هذا المقام . ومن هنا كانت « قرة عينه » ، صلى اللّه عليه وسلم ، « في الصلاة » .
لأنه مناج مع اختلاف الحالات المحصورة ، من قيام وركوع وسجود وجلوس . ما ثمّ أكثر من هذه الأركان ، وهي حالات تربيع روحانيّ ، فأشبهت العناصر في التربيع ، فحدثت صور المعاني من امتزاج هذه الحالات الأربعة ، كما حدثت صور المولدات الجسمية الطبيعية من امتزاج هذه العناصر » . ( فتوحات : 2 : 48 - 49 )