الوجد
وقال أحمد بن فارس : رأيت الحلّاج في سوق القطيعة قائما على باب مسجد وهو يقول : أيّها الناس ، إذا استولى الحقّ على قلب أخلاه عن غيره ، وإذا لازم أحدا أفناه عمّن سواه ، وإذا أحبّ عبدا حثّ عباده بالعداوة عليه ، حتى يتقرّب العبد مقبلا عليه .
فكيف لي ولم أجد من اللّه شمّة ولا قربا منه لمحة وقد ظلّ الناس يعادونني ثم بكى حتى أخذ أهل السوق في البكاء . فلمّا بكوا عاد ضاحكا وكاد يقهقه ، ثم أخذ في الصياح صيحات متواليات مزعجات ، وأنشأ يقول :
[ من الطويل ] [ 33 ]
1 - مواجيد « 1 » حقّ أوجد الحقّ كلّها * وإن عجزت عنها فهوم الأكابر
2 - وما الوجد إلّا خطرة ثمّ نظرة * تنشّي لهيبا بين تلك السّرائر « 2 »
3 - إذا سكن الحقّ السّريرة ضوعفت * ثلاثة أحوال لأهل البصائر « 3 »
4 - فحال يبيد السّرّ عن كنه وصفه * ويحضره للوجد في حال حائر « 4 »
5 - وحال به زمّت ذرا السّرّ « 5 » فانثنت * إلى منظر أفناه عن كلّ ناظر
[ 33 ]
هامش
( 1 ) 1 - المواجيد : أحوال ومقامات عديدة تظهر للأولياء والسالكين بطريق الكشف والوجدان .
( 2 ) 2 - الوجد : خشوع الروح عند مطالعة سر الحق ، وقيل : عجز الروح من احتمال غلبة الشوق عند وجود حلاوة الذكر .
الخطرة : ما يمر بالقلب من أحكام الطريقة .
السرائر : منها سرائر الآثار ، وهي الأسماء الإلهية التي هي بواطن الأكوان ، وسرائر الربوبية وهي ظهور الرب بصور الأعيان .
( 3 ) 3 - البصيرة : قوة للقلب منورة بنور القدس ، منكشف حجابها بهداية الحق .
( 4 ) 4 - السر : لطيفة مودعة في القلب كالروح في البدن ، ونور روحاني هو آلة النفس .
الحيرة : بديهة ترد على قلوب العارفين ؛ عند تأملهم وحضورهم وتفكرهم ، تحجبهم عن التأمل والفكرة .
( 5 ) 5 - ذرا السر : أي سر السر ، وهو ما انفرد به الحق عن العبد كالعلم في تفصيل الحقائق .