التجلّي
عن أبي الحسن عليّ بن أحمد بن مردويه قال : رأيت الحلّاج في سوق القطيعة ببغداد باكيا يصيح : أيّها الناس أغيثوني عن اللّه ، ثلاث مرّات ، فإنّه اختطفني منّي وليس يردّني عليّ ، ولا أطيق مراعاة تلك الحضرة ، وأخاف الهجران فأكون غائبا محروما . والويل لمن يغيب بعد الحضور ويهجر بعد الوصل . فبكى الناس لبكائه حتى بلغ مسجد عتّاب فوقف على بابه وأخذ في كلام فهم الناس بعضه وأشكل عليهم بعضه .
فكان ممّا فهمه الناس أنه قال : أيّها الناس . إنّه يحدّث الخلق تلطّفا فيتجلّى لهم ، ثم يستتر عنهم تربية لهم . فلو لا تجلّيه لكفروا جملة . ولولا ستره لفتنوا جميعا ، فلا يديم عليهم إحدى الحالتين . لكنّي ليس يستتر لحظة فأستريح حتى استهلكت ناسوتيّتي في لاهوتيّته وتلاشى جسمي في أنوار ذاته ، فلا عين لي ولا أثر ولا وجه ولا خبر .
وكان ممّا أشكل على الناس معناه أنه قال : اعلموا أنّ الهياكل قائمة بياهوه والأجسام متحرّكة بياسينه . والهو والسن طريقان إلى معرفة النقطة الأصليّة .
ثم أنشأ يقول :
[ من البسيط ] [ 38 ]
1 - عقد النبوة مصباح من النور * معلّق الوحي مشكاة تأمور « 1 »
2 - باللّه ينفخ نفخ الرّوح في خلدي * لخاطري نفخ إسرافيل في الصّور « 2 »
3 - إذا تجلّى لروحي أن يكلّمني * رأيت في غيبتي موسى على الطّور « 3 »
[ 38 ]
هامش
( 1 ) 1 - عقد النبوة : عهدها .
المشكاة : كوة في الجدار يوضع فيها المصباح .
التأمور : دم القلب ، أو مهجة النفس .
( 2 ) 2 - الخلد : البال .
إسرافيل : اسم الملك الموكل بإعلان يوم القيامة بالنفخ في الصور ، أي البوق .
( 3 ) 3 - الطور : الجبل ، والحلاج يشير هنا إلى الجبل في سيناء حيث تجلّى اللّه وكلم موسى عليه السلام .