وقال : أخوف ما أخاف عليكم الشهوة الخفية » « 1 » .
فما بال العبد يتعلم كيف يعمل ، ويتحمل مؤنة العمل ، فيعمل بما قد علم ، ولا يتعلم كيف ينوي . . . فيتعلم من العلم ما يعمل به ، وما لا يعمل ، ولا يتعلم صدق النية ، لا فيما يعمل به ولا فيما لا يعمل .
يعيش ما عاش ، ويموت إذا مات ، ولم ينتبه لذلك . . . والرسول صلّى اللّه عليه وسلم ومن بعده الأئمة وأهل العلم والمعرفة يحذرون من الرياء . حتى أن بعضهم قال : أدخل البيت المظلم فأصلي فيه ركعتين لعلها تخلص لي . . . وقال الثوري « 2 » : « ما كنت أعتدّ بعمل يراه الناس » .
ولو كتبنا في هذا الكتاب مثل هذا لاحتجنا إلى دفاتر .
فالذي قد عرف من الرياء ما جهله غيره ، وعنى به ، واهتم له في ليله ونهاره ، ولعل ما يخدع فيه ويغلب عليه أكثر من الذي يصير إلى ما يريد منه . فكيف بالجاهل به ، المعرض عنه ؟
فرب رجل يعمل عملا ، فهو يرى أنه فيه صادق ، ولا يتبين صدقه في دعوى صدقه إلا بعد عشر سنين ، وإن شئت قلت خمسين سنة ، فما العشر والواحد والخمسون والمائة إلا واحد .
قلت : مثل أي شيء ، فقد جئت بالقول العظيم ؟
قال : مثل الرجل يتصدق على الرجل بصدقة أو معروف يصطنعه إليه ، ويزعم أنه أراد بذلك وجه اللّه ، ولم يرد به جزاء ولا شكورا ، ثم بدت له أو لغيره قبل المصنوع اليه المعروف حاجة فقضى حاجة غير الذي كان قد صنع إليه المعروف أو تصدق عليه ، ولم يقض حاجته ، فذكر صدقته عليه في نفسه « 3 » ، فوجد عليه ، حيث لم يقض حاجته ، وقضى حاجة من لم يتصدق عليه ولم يصنع اليه معروفا . فتبين صدقه في ذلك الوقت من كذبه ، ولعل ذلك بعدما صنع المعروف بزمان من الدهر .
أو رجل يكون صاحب عبادة خمسين سنة ، يرى أنه صادق فيها ، لا يريد بها جزاء ولا شكورا في سره ولا في علانيته ، فنابت نائبة ، فكتبوا أسماء صلحاء الموضع الذي هو فيه
هامش
( 1 ) : اخرجه الإمام أحمد من مسنده 4 / 124 ، 126 .
( 2 ) سفيان الثوري ، كوفي ، إمام في الحديث وغيره ، سمع من عمر بن مرة ، وعمرو بن دينار ، وسلمة ، وابن معين ، وشعبة ، عرف بأمير المؤمنين في الحديث ، عرض القرآن أربع مرات على حمزة الزيات ، وقال ابن المارك : لا أعلم على وجه الأرض أعلم منه توفي عام 161 ه .
( 3 ) أي : إن مجرد ذكره الصدقة في نفسه دليل على أنها لم تكن خالصة للّه تعالى وحده .