ولا أرضى عند الخاصة والعامة ، وهو : أن تحب للناس ما تحب لنفسك ، وتكره للناس ما تكرهه لها .
والنصح أصله من أعمال القلوب ، وفروعه من أعمال الجوارح . . . فربما أجري بالقلب ، ولربما لم يجر إلّا باللسان ، وربما لم يجر إلّا بالقلب واللسان والجوارح « 1 » .
آداب لا بد منها :
وقال : إن الشيء يغلب الشيء ، والشيء يشغل عن الشيء ، والشيء ينسي الشيء ، والشيء يهيج الشيء ، والشيء يزيد الشيء ، والمحاسب نفسه قد عرف هذا ، وأدناه التيقظ ، وأعلاه النسيان « 2 » .
واعلم أن الشر شهوة ، والخير كراهية ، والشهوة سابقة على الكراهية ، وغالبة عليها ، حتى يجيء العلم والصدق فيزيلان الشهوة ، ويجعلان الكراهة مكانها . . فمن لم يفقه ولم يفهم هذا حين يسمعه ، لم يحس مراجعته سريرته ، ولا يجيء على إصلاحها حتى يتعلمه ممن يحسنه ، ويحسن وصفه . ولولا كثرة القول فيه لكتبناه .
وقال : نعم الصاحبان : الهم والحزن بأمر الآخرة . . ونعم الشغل المحاسبة . . .
وصاحب الهم والحزن والمحاسبة يجعل الساعة التي ليس فيها هم ولا حزن ولا محاسبة ساعة بطالة ، وأقل قليل الغفلة ، عنده كأكثر الذنوب عند غيره .
هامش
( 1 ) من أمثلة النصح لعامة المسلمين في الصدر الأول ما أخرجه الطبراني عن جرير بن عبد اللّه أنه أمر مولاه ان يشتري له فرسا ، فاشتراه بثلاثمائة درهم . فقال جرير لصاحب الفرس . فرسك هذا خير من ذلك ، أتبيعه بأربعمائة درهم ؟ فقال الرجل : ذاك إليك يا أبا عبد اللّه فقال جرير : أتبيعه بخمسمائة ؟ وما زال يزيده حتى أوصله إلى ثمانمائة ، فاشتراه بها . ولما سئل جرير عن ذلك قال : إني بايعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على النصح لكل مسلم .
( 2 ) يعني أدنى وأقل المعارف هو اليقظة لما في الشر من الشهوة ، ولما في الخير من الكراهية . وأعلا المعارف نسيان سلطان الشهوة الملازمة للشر ، ونسيان الكراهية الملازمة للخير . . فالنسيان أشق من التذكر .
وقد شرح المحاسبي فكرته هذه في الوصايا ( ص 72 ) فقال :
« تفقدوا السرائر في كل حين عسى أن يكون منكم مصر على بعض المعاصي وما يشعر . . وانظروا هل تجدون في القلوب حب الدنيا ، والسرور باقبالها ؟ والتقلب في شهواتها ، وهل تجدون حلاوة المدحة والتعظيم أحيانا ؟ وهل تأنفون من المذمة وتمتعضون منها ؟ وهل تكرهون شيئا يخالف أحوالكم ، وترضون بما وافق الهوى ؟ وهل تلهون بالنظر إلى الخلق بغير اعتبار ؟ وهل تلهون بفضول الكلام ؟ وهل تعلمون من الأعمال شيئا اللّه راض به وأنتم تأنفون من عملها ؟ وهل تعلمون من الناس ما اللّه راض به وأنتم تأنفون منه ؟ . . . فهذا ونحوه من ذنوب القلوب ، وأنتم غافلون . . قد احسب قراءكم مصرين عليها وما يشعرون » .