الإخلاص والرياء
وقال : أعمال البر كلها على وجهين : سرّ ، وعلانية . فمن لم يقدر على تصحيح السر فيما يعمل من السر كان للتصحيح فيما يعمل من العلانية أبعد . . ومن قوي على تصحيحه في العلانية « 1 » كان فيما يسر من أعماله أقوى .
وهكذا في القليل والكثير . . . من لم يقدر على تصحيح النية في القليل من العمل ، كان في الكثير منه أبعد .
وقال : الرياء على وجهين : رجل قد عمل أعمالا من البر ، فنال بها ثناء وجاها وقدرا ، وهو يريد فيما يستقبل من الأعمال الإخلاص . فمن لم يقدر على ترك الرياء فيما يستقبل ، كان فيما عمل ونال به الجاه والقدر والمحمدة من الناس من الإخلاص أبعد .
وهكذا في كل شيء . . . ترك ما لم تملكه أيسر من ترك ما قد ملكته « 2 » .
النية بين الصدق والغفلة :
قلت : فمن أحق الناس بصدق النية ؟
قال : أشدهم لها حبا .
قلت : فمن أبعد الناس من صدق النية ؟
قال : أزهدهم فيها . . . وأزهد الزاهدين فيها أنساهم لها . . . وأنسى الناس لها أجهلهم بها .
وقال : أول علامات الرياء : رضا الرجل بجهالة صدق النية في أعماله . . . وأول علامات صدق الرجل : عنايته بمعرفة صدق النية ، وإخلاص العمل .
وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « العمل بالنية » .
هامش
( 1 ) ليس معنى تصحيح العمل العلني التصحيح الشكلي للعمل ، وإنما المراد تصحيحه من الآفات التي تعرض للنفس أثناء عمل العلانية . . وكيف يحافظ العامل على إرادته الصحيحة عند الثناء على العمل ، وعند نزوع النفس إلى حب الجاه بالعمل ، وكيف ينتبه عن كل مؤثر خارجي عليها .
( 2 ) الاعتراف بالرياء فيما مضى من العمل علامة صدق الإرادة في المستقبل . . فمن قوي على تصحيح العمل فيما يستقبل كان من الاعتراف بفساد الإرادة فيما مضى أقرب ، ومن عجز في المستقبل فهو ما زال مقيما على باطله وهو يظنه حقا . والذي لا تملكه هنا هو صدق الإرادة في المستقبل ، فترك الرياء فيه أسهل من تركه فيما ملكته من الثناء والمحمدة فيما مضى .