نفسه متيقظا وهو غافل ، وما أحب اليه التغافل عن التيقظ ، وانسه بالغفلة ! !
واعلم أن أبين علامات التيقظ : الهم والحزن ، ثم حسن الاستعداد لما اهتم له وحزن عليه .
وأبين علامات الغفلة : البطر والمرح ، لأنهما يسهيان وينسيان التيقظ ، وفي ترك التيقظ ترك الاستعداد لما بعد الموت .
قلت : فما التيقظ ؟ وما الغفلة ؟
قال : التيقظ : تقريب الأجل ، ومراقبة الموت ، والفكر فيما يصير إليه العبد من بعد الموت . ومن هذا يفتح لك باب العمل ، فتبتدر إليه قبل أن يبتدر إليك الموت ، وتستغنم كل ساعة من حياتك قبل انقضاء الأجل .
فإن رزق العبد الدوام عليه نبع من ذلك ينابيع الخير إن شاء اللّه عز وجل .
وأما الغفلة فطول الأمل ، ونسيان ذكر المعاد إلّا بالخاطر ، ولا يدوم عليه العبد .
ولا يدوم عليها العبد إلّا رمى بالخير وراء ظهره . ومنها يتولد التسويف ، والوقوع في بحر الآثام .
كيف تكون القوة على اليقظة وترك الغفلة :
قلت : فهل من شيء يقوبني على التيقظ ، وترك الغفلة ؟
قال : نعم . . إخلاص الدعاء ، ومصاحبة من يريد ما تريد ، ومفارقة من لا يريد ما تريد . فإن صحبة من لا يريد ما تريد تضرك وأنت لا تشعر ، وصحبة من يريد ما تريد تنفعك ولا تضرك وإن كنت لا تشعر .
وإنما الناس يؤتون من ثلاثة أشياء : من الغفلة ، والغلبة ، والجهالة . . . ورب رجل تجتمع فيه الثلاث خصال . وإن قلت : إني لا أعلم من أبرئه منها لكنت صادقا .
وقال : كن ممن يحبّ على الخير ، ويحب عليه ، ولا تكن ممن يريد أن يحبّ على الخير « 1 » .
هامش
( 1 ) يعني : كن ممن يحب شيوع الخير في أمة الإسلام . . فتحب أن يكثر الخير من الناس ، وأن يكثر الخير منك للناس ، فتحب هذا الصنيع في الناس ، وتحب ( بالبناء للمجهول ) أنت على هذا الصنيع . . ولكن لا تقدم إرادة حب الناس لك على الخير فتفعل الخير لذلك . والفرق بين من يحب على الخير وبين من يريد أن يحب على الخير : أن الأول يفعل الخير لإرادة رضا اللّه ، فيحب الناس ويحبه الناس . والثاني -