تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣

الخير والشر

فقه التجارب والعناية بالنفس :

واعلم أنه من كان من أهل العناية بنفسه ، ورزق فهم التجربة ، بلغ معرفة الخير والشر ، وعرف من أين وكيف « وعبر ووصف ، وفهم وفطن ، ونطق بالحكمة ، وكان ما يسمع من الموعظة زيادة له في فهمه ومعرفته ووصفه ، ودقائق فطنته ، وسر حاجته . ومن كان من أهل العناية ، ولم يرزق فهم التجربة ، عرف من معرفة الخير والشر على قدر عنايته ، ووصف عن صفتها وعبارتها ، ومن أين وكيف وضعف عن النطق بالحكمة ، وكانت الموعظة زيادة له في معرفة خيره وشره . ومن لم يرزق الفهم ، وليست له عناية ، فهو لا ينطق بلسانه عند الكلام ، ولا يعقل بقلبه عند السماع « 1 » . ويروى أن الحكمة تقول : من طلبني فلم يقدر عليّ ، فليعمل بأحسن ما يعلم ، وليدع أشر ما يعلم .

الحكمة والتفتيش :

وقال : الأمور منافعها متفاوتة ، وضررها متفاوت ، فمنفعه بعضها أكثر من بعض ، وضرر بعضها أكثر من بعض ، ونجد أكثر الناس إنما عنايتهم بإصلاح ما هو أقل ضررا ، فهم في إصلاح ذلك أكثر من إصلاح ما هو أكثر ضررا ، وطلبهم لما هو أقل منفعة أكثر من طلبهم لما هو أكثر منفعة . وبعض الأمور تركها أشد على العبد من بعض ، وصاحب الإرادة لا ينبغي أن يغلط في هذا ، ولكن يفاتش أموره كلها مفاتشة شديدة ، بالعناية وغائص الفهم ، ودقائق لطائف الفطن ، حتى يعلم ما هو أشد عليه في الترك ، ويعلم ما هو أسلم له ، وأنفع له ، فيجعل جدّه وجديده ، ومعرفته وعلمه ، وفهمه وكياسته ، وعنايته وفطنته فيما هو أشد عليه في الترك ، وأكثر ضررا عليه .
هامش
( 1 ) هذا إشارة إلى مبدأ ( العمل الإسلامي ظاهرا وباطنا ) . وذلك هو مناط رقي الإنسان في مقامات المعرفة . والفرق بين العناية بالنفس وفهم التجربة : إن العناية بالنفس هو تفتيشها والوقوف على مواضع الخلل فيها . وعلم السلامة من الخلل . أما فهم التجربة فلا يكون إلا بتحويل هذه المعرفة إلى سلوك مخلص .
آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 83 | الحارث المحاسبي / عبد القادر احمد عطا