الغفلة واليقظة
خصائص الغفلة واليقظة :
قلت : فما الذي بطّأ بالخاصة والعامة عما هو أكثر لهم ضررا ، وأشد عليهم ؟
قال : قد أخبرتك أن الناس فيه مختلفون . فرب شيء هو أسلم من شيء آخر ، ورب شيء هو أضرّ عليهم من الآخر .
وأما أنا فلا أعرف خصلة أكثر في الناس ، ولا أغلب عليهم ، ولا أكثر ضررا ، ولا أشد عليهم تركا ، على الخاص والعام ، والعالم والمتعلم والجاهل ، من الغفلة .
وأشد الغفلة الذي أنت عنه غافل ، وبه جاهل .
وأشد ذلك على الناس ، وأكثر عندي فيهم : الإعجاب « 1 » .
انظر . . . هل ترى أحدا هو عند نفسه جاهل في أمر الآخرة وأمر الدنيا ؟
انظر هل ترى أحدا يتعرض لشيء لا يعلمه ، وليس هو حرفته ، إلّا يقول : أنا به عالم ؟
وإنما أتي هذا الجاهل المغتر المدعي لعلم الآخرة من قلة قدر الآخرة في قلبه ، وقلة تعظيم حرمات اللّه عز وجل .
وانظر . . هل ترى أحدا عند هذا الغافل المغتر الجاهل أرفع عند نفسه منه ، وأعلم منه ؟ فيقر بذلك على نفسه ، إلّا ما لا يجد منه بدا ، ولا يستطيع دفعه ؟
الغفلة واليقظة :
قلت : فما الذي ترجو أن يكون أصلح لهم وأنفع ؟
قال : التيقظ أصل كل خير ، كما أن الغفلة أصل كل شر . . . فما أكثر من يكون عند
هامش
( 1 ) الإعجاب : هو نظرك إلى نفسك بالعمل ، واستكثاره من نفسك ، مع نسيان النعم من اللّه ، وحمد النفس على فعلها ، وانظر ( القصد والرجوع إلى اللّه ص 68 ) .
ويقول المحاسبي : « العجب يعمي القلب ، حتى يرى المعجب انه محسن وهو مسيء ، وإنه ناج وهو هالك ، وإنه مصيب وهو مخطىء . ولا يلبث أن يركن إلى العزة ، فيستصغر ما علم به من ذنوبه ، وينسي كثيرا منها ، ويعمي عليه أكثرها ، حتى لا يظنه ذنبا ، فيقل خوفه ، ويكذب على اللّه ورسوله ، وهو يرى إنه صادق ، وإلى الضلالة وهو يرى أنه مهتد . . وبالعجب هلك أئمة الضلالة ، وتكبر المتكبرون ، وافتخر المفتخرون ، واختال المختالون ، وهلك آخر هذه الأمة ، ومما يدل على ذلك قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لأبي ثعلبة : إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك » . . وانظر في أنواع العجب وعلاجه الرعاية لحقوق اللّه ص 398 - 441 .