والناس في ذلك مختلفون ، فرب رجل يهون عليه ترك شيء يشتد على غيره ، ويشتد عليه ترك شيء يهون على غيره تركه ، ويشتد عليه طلب ما يهون على غيره ، ويهون عليه طلب ما يشتد على غيره ، لأنه حبّب إلى هذا من الأشياء ما لم يحبّب إلى غيره ، وبغّض إليه من الأشياء ما لم يبغّض إلى غيره .
وربما كان أمران ضاران كلاهما ، وأحدهما أكثر ضررا من الآخر ، ومؤنة تركه ليست بأشد على صاحبه من تركه الآخر ، ولكن المعرفة تقصر بالعبد عن حسن المأخذ له ، والترفق فيه ، فهو لما هو أشد عليه تركه ، وأقل ضررا أقوى وأترك له مما هو أكثر ضررا ، وأهون عليه تركه ، وهو عن ذلك أضعف ، وأعجز عنه .
ولا يعرف هذا إلّا من يقلب الأمور تقليبا ، ويفاتشها تفتيشا ، فينظر هذا الذي يؤتى منه ، ما سببه ؟ ثم لم ير على نفسه من ترك ذلك السبب كبير مؤنة ، فيقول : لا أترك هذا .
ولكن أترك هذا الذي يشتدّ على نفسي تركه ، وليس فساد هذا الأمر الذي قد عزم على تركه - وهو أشد عليه - كفساد هذا الأمر الذي لم يعزم على تركه « 1 » .
هامش
( 1 ) في ب ( كفساد هذا الأمر الذي قد عزم على تركه ) . وما في أأصح .