رضي أن يسلك طريق الدين بالجهالة ، ولم يرض أن يسلك طريق الدنيا إلّا بعلم وبصيرة . .
ومتى شئت رأيته في طريق الدنيا ، وهو يحسب أنه في طريق الآخرة .
ومع ذلك فإن بعض المدبرين عن اللّه تعالى ، المعرضين عنه ، قد تسمّوا علماء ، ونصبوا أنفسهم للدلالة على اللّه ، وهم حيارى متصنعة ، مدخولون متشبهة ، يحسبهم الجاهل أدلاء ، وهم عمي حيارى ، فإنا للّه وإنّا إليه راجعون « 1 » .
واعلم أن العز والتعزز ليس بغائب قادم عليك ، فتريد التحرز منه ، والامتناع عليه ، ولكنه شيء قد حلّ بك ، ونزل وتمكن من المنزل ، واستوى وجلس في صدر المجلس ، وأخذ منك خيرك ، وغلب أخير موضع فيك ، واتكأ على متّكئه ، واستخدم أعوانه بما يوافق هواه في إقبالهم وإدبارهم .
ولا أكثر عليك من صفات فروع دوائه فتمل وتعرض ، ولكن أدلك على الأصل الذي إذا عالجته أتى على الأغصان كلها ، وهو : الإياس من جميع المخلوقين أن يضروا أو ينفعوا ، أو يعطوا ، أو يمنعوا ، أو يحيوا أو يميتوا ، فألزمه قلبك ، فإنه أصل الأصول ، ورأس الأمر وسنامه .
فإن كنت مريدا صادقا ، تحب النظر في عواقب الأمور ، فأغلق على نفسك باب الطمع ، وافتح لها باب الإياس وانفرد لذلك بإرادتك كلها ، وتجرد في طلبه ، كالذي ليس له من حوائج الدنيا كلها إلّا حاجة واحدة .
وتعزم عزما صحيحا على أن تهب نفسك للّه في بقية عمرك ، إن كنت تراه لذلك أهلا ، سبحانه وتعالى ، ما أغناه ، عن أهل السماوات وأهل الأرضين ، وما أشد اضطرارهم اليه .
فاجعل يا أخي نفسك كهيئة الأسير في أيدي أهل زمانك أيام حياتك في اتباع مرضاة اللّه عز وجل ، والتخلص من بلية العز ، فإن الأسير مملوك لا يملك ، ولا يطمع أن يظلم أحدا ، ولا ينتصر من ظالم . ثم تجد حلاوة طعم ذكر اللّه ، ولذاذة المناجاة في عبادة اللّه « 2 » .
وإنما قلت لك : استخراج العز ، وقطعه عن قلبك باليأس من الناس لأنه يردك إلى اللّه ، ورجوعك إلى اللّه سكون قلبك عليه ، وفي سكون قلبك عليه الازدياد من طاعته ،
هامش
( 1 ) وعلامة هؤلاء في عصرنا عشق الشهرة والأضواء ، والكلام بكل لسان وسرعة التقلب تحت أي لواء أو سلطان غايتهم الدنيا وزهرتها ، والترف في الحياة ، والاستكثار من متاعها ، وتأويل نصوص الدين بما يوافق أهواءهم .
( 2 ) وجود حلاوة ذكر اللّه ومناجاته نتيجة لصفات الأسير في أيدي أهل زمانه ، والتي ذكرها المؤلف ، وكما شرحها في نفس الفقرة .