تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 80

مساهمون:

ص٨٠
وكل ما تكلف من ذلك فإنما حمل نفسه على تكلفه لطلب الزيادة من الدنيا ، وليس في هذا من أمر دينه الذي كلّفه شيء . وكلّف تقويم نفس واحدة فلم يقم بتقويمها ، وليس عليه من فساد غيرها شيء . . . لم يكلف إلّا بإصلاح فساد نفسه وحدها ، فلم يقم بإصلاح فسادها ، فجهل بعض الصلاح وعلم بعضا ، فما جهل فهو جاهل به ، لا يتكلف علمه ، وما علمه من فسادها فهو مضيع لإصلاحه . ولم يكلّف أحد أن يصوم ولا يصلي ولا يزكي ولا يحج ولا يتوضأ ولا يغتسل عن أحد . إنما كلّف نفسه ، ليس لأحد من صلاح أحد شيئا . . . وإنما صلاح كل امرئ وتقواه لنفسه . . . وفي ميزانه . . . ليس في ميزان غيره منه شيء . وهكذا النية في الأعمال . . . لا تنفع نيتي عملك ، ولا تنفع نيتك عملي إذا كانت صحيحة ، ولا تضره إذا كانت سقيمة . . . وإنما المنفعة والمضرة على صاحب النية ، وصاحب العمل ، وإنما هي نفس واحدة ، فإذا صار إلى أمر نفسيته « 1 » لم يعرف خيرها من شرها ، ولا إقبالها من إدبارها . يعمل الخير فلا يدري مقبل هو فيه أم مدبر إلّا بظاهر العمل والدعوى ، ولا يدري أي شيء يعمله للدنيا أو للآخرة ، ليس يميز بين الأمرين ، ولا يفاتش الهمة فيه ، والمحبة له ، ولا الخشية فيه ، ولا يتوقف ، ولا يحسن أن يطالع ضميره ، فهو يفسد الخير بالشر ولا يشعر . هو في ظاهره مقبل . . . وهو في باطنه مدبر . . . وهو في ظاهره آبق إلى اللّه وهو في باطنه آبق من اللّه . . . فسبحان اللّه ! ! ماذا تكلف المسكين من معرفة ما لم يكلّف ، فشغل عنايته فيه ، وشغل فهمه به ، وأما الذي جهل فضيع من معرفته ( فهو ) « 2 » ما قد كلّف ، وأخذ عليه فيه المواثيق . يدخل عليه الشر والفساد فلا يدري من أين دخل ؟ وأنّى أتاه ؟ وكيف هو ؟ وما السبيل إلى التخلص منه ؟ فبقي عند ذلك تائها حيران . . . وقد عالج ما في الهواء . . . وما في قعر البحار . . . فعرفه لما شغل عنايته به لمعنى دنياه الذي قد تكفل اللّه له منها بما قدّر له ، وضمن له الوفاء بها ، أقبل عليها أو أدبر عنها . فغلب المسكين الخلق . . . وغلبته نفسه . . ولو عني بمعرفة فساد نفسه وصلاحها ، وخيرها وشرها ، وخاف التلف عليها ، كما عنى بمعرفة ما ذكرنا من أمر دنياه المضمونة له ، لعرف من فسادها وصلاحها مثل ما عرف من ذلك ، وقدر منه على ما قدر من ذلك ، ولكنه
هامش
( 1 ) في ب ( نفسه ) . ( 2 ) سقطت من ب .