وذلل النفس ، لتجربته لنور التواضع ، ومعرفته بفوائده .
فهنيئا لمن شغله مثل شغله . . . ما أنفعه من شغل ، وأرضاه عند مليكه ، وأروحه للقلب ! !
فاعتبر برجلين أمرا بالعبودية ، وأحدهما أحب ان يجعل نفسه عبدا كما أمر ، وأحب الآخر أن يجعل نفسه ملكا ، أي هذين أولى بالجائزة من المولى ، وأيهما يستأهل العقوبة الموجعة ؟
وسائل علاج العز :
قلت : قد وصفت من فساد العز وضرره وشره ما قد وصفت ، فصف لي طريق التحرّز والامتناع منه ، فإن المريض إذا عرف داءه ، أحب أن يعرف دواءه ، وهكذا من أحب أن يعرف عيب نفسه ، يحب أن يعرف الذي يصلح به عيبه .
فقال : إن ابن آدم تكلف نزول الطير من جو السماء فأنزله .
وتكلف خروج الحوت من قعر البحر « 1 » فأخرجه .
وتكلف إخراج الذهب والفضة من بطن الأرض فأخرجها .
وتكلف أخذ الدواب والأنعام والوحوش والسباع من البراري والغياض فأخذها وذللها وسخرها .
وتكلف أخذ الأفاعي والحيات فأخذها .
وتكلف معالجة الشياطين فعالجها .
وتكلف معرفة النجوم في السماء وأسماءها ومجاريها ومطالعها ومغاربها . وتكلف منازل الشمس والقمر ومجاريهما ، ومطالعهما ومغاربهما .
وتكلف معرفة الولد إذا لم يكن من أبيه ، فعرف ذلك كله لما تكلفه .
وتكلف مرض المريض وأسباب علله بالنظر إلى بوله من غير أن ينظر اليه ، فعرف داءه ، وعرف دواءه ، فعرف كل ذلك .
وتكلف تعلّم سير الملوك الماضية من القرون الأولى ، فكتبها ودرسها « 2 » .
هامش
( 1 ) في ب ( من قعر البحار ) .
( 2 ) رحم اللّه الإمام المحاسبي ، لو عاش إلى أيامنا لقال : وتكلف نقل الصور من أقصى الأرض إلى أدناها فنقلها . وتكلف الصعود إلى القمر فصعد اليه . وتكلف تهديد العالم كله بالفناء فأعد لذلك السلاح .