تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
وذلل النفس ، لتجربته لنور التواضع ، ومعرفته بفوائده . فهنيئا لمن شغله مثل شغله . . . ما أنفعه من شغل ، وأرضاه عند مليكه ، وأروحه للقلب ! ! فاعتبر برجلين أمرا بالعبودية ، وأحدهما أحب ان يجعل نفسه عبدا كما أمر ، وأحب الآخر أن يجعل نفسه ملكا ، أي هذين أولى بالجائزة من المولى ، وأيهما يستأهل العقوبة الموجعة ؟

وسائل علاج العز :

قلت : قد وصفت من فساد العز وضرره وشره ما قد وصفت ، فصف لي طريق التحرّز والامتناع منه ، فإن المريض إذا عرف داءه ، أحب أن يعرف دواءه ، وهكذا من أحب أن يعرف عيب نفسه ، يحب أن يعرف الذي يصلح به عيبه . فقال : إن ابن آدم تكلف نزول الطير من جو السماء فأنزله . وتكلف خروج الحوت من قعر البحر « 1 » فأخرجه . وتكلف إخراج الذهب والفضة من بطن الأرض فأخرجها . وتكلف أخذ الدواب والأنعام والوحوش والسباع من البراري والغياض فأخذها وذللها وسخرها . وتكلف أخذ الأفاعي والحيات فأخذها . وتكلف معالجة الشياطين فعالجها . وتكلف معرفة النجوم في السماء وأسماءها ومجاريها ومطالعها ومغاربها . وتكلف منازل الشمس والقمر ومجاريهما ، ومطالعهما ومغاربهما . وتكلف معرفة الولد إذا لم يكن من أبيه ، فعرف ذلك كله لما تكلفه . وتكلف مرض المريض وأسباب علله بالنظر إلى بوله من غير أن ينظر اليه ، فعرف داءه ، وعرف دواءه ، فعرف كل ذلك . وتكلف تعلّم سير الملوك الماضية من القرون الأولى ، فكتبها ودرسها « 2 » .
هامش
( 1 ) في ب ( من قعر البحار ) . ( 2 ) رحم اللّه الإمام المحاسبي ، لو عاش إلى أيامنا لقال : وتكلف نقل الصور من أقصى الأرض إلى أدناها فنقلها . وتكلف الصعود إلى القمر فصعد اليه . وتكلف تهديد العالم كله بالفناء فأعد لذلك السلاح .