العز عام في الخلق ، وخاص في القراء :
والعز في الخلق عام ، في العبيد والإماء ، والفقراء والأغنياء ، والضعفاء والأقوياء ، والقراء والعلماء وكل واحد منهم يظهر منه على قدر ما يمكنه إظهاره ، ومن لم يمكنه الإظهار عامل الناس به سرا في نفسه ، لأنه ما دام في الإنسان لا يترك حظّه منه سرا ولا علانية .
أما تراه كيف يتغيظ في نفسه على غيره ، وكيف يحسده ، ويدور حوله يطلب عوراته ، وكيف يحكم فيه بحكم الهوى « 1 » ؟ .
ولو ملك من ذلك في الظاهر ما ملك في الباطن لأظهر مثل الذي أضمر من ذلك في الباطن .
وأقبح أمره وأفسده له ، وأشده فضيحة إذا كان في القارئ ، لأنه لا يكاد يتعزز على غيره بسبب من الأسباب إلّا بأسباب الدين ، وإلّا رأيت فيه أثر ذلك .
فسبحان اللّه ! ماذا يلقى القراء خاصة من العز ومن أعوانه ! !
يدلك على ذلك سرعة حقدهم ، وكثرة غضبهم لأنفسهم من طريق الإعزاز لها ، وما يجدون على الناس فيه مما لا خطر له « 2 » ، وذلك كله من داء العز وحركته أمر لم يجز لأهل الجنة ، ولا للملائكة ، ولا للنبيين « 3 » ، يريد القارئ أن يجوزه لنفسه ، وأن يجعله فوق رأسه .
وإنما كان ينبغي للصادق في قراءته العمل في إطفاء العز من قلبه من أول أمره ، وأن يجعله تحت قدميه ، ولو أن رجلا صلى الغداة ، ثم أقبل على نفسه وأصلح خصلة من خصال العز ، ليس العز كله ، وآخر تصدق بوزن نفسه ذهبا على أكباد جائعة من وجه طيب ، لكان الأول أغبط ، وكانت النعمة عليه أكبر ، والشكر عليه أكثر عند أهل المعرفة والعلم « 4 » .
فكيف إذا أصبح وهو لم تكن له همة إلّا العناية بالعز لنفسه ، لتجربته ، له ، ومعرفته له ! !
وآخر أصبح ولم تكن همته ولا محبته إلّا العناية بنفي العز من قلبه ، ولزوم التواضع ،
هامش
( 1 ) هذه هي ظواهر المعاملة السرية بالعز ممن لا يقدر أن يعامل الناس به علانية .
( 2 ) يعني يحقدون ويغضبون لأنفسهم بسبب أشياء تافهة لا خطر لها ولا قيمة .
( 3 ) فأهل الجنة مبرأون من الحقد والغل وهو أساس العز ( ونزعنا ما في صدورهم من غل ) . والملائكة سجدوا لآدم طاعة لأمر اللّه ، ولم يتعززوا عليه . والأنبياء سيرهم مشهورة في التواضع ونفي العز بالكلية من قلوبهم .
( 4 ) لأن المتصرف قد يرائي وقد يذكر صدقته بعد حين فيعرضها للعطب . . أما نفي خصلة من خصال العز فهو اقتلاع جذر من جذور الشر ولا ينبت بعده أغصان من الشر .