وعزه في نفسه زائد . نعم ، وقد رأينا من يتواضع لطمع زيادة في العز « 1 » .
ولا أعلم أني رأيت أحدا من أهل النسك خاليا منه ، يعني من العز .
فإن كان يجد بقاء حلاوة طعمه لم يفلح معها ، عابدا كان أو زاهدا .
وكيف يكون زاهدا ، والزهد لا يأوي معه في مأوى واحد « 2 » .
فمن عالج نفي العز من نفسه ، ووفقه اللّه لذلك ، فنال نفيه ، سهل عليه المسير في طريقة محبة اللّه عز وجل ، ومحجة الإيمان ، وسبيل الاستقامة ، ومدارج الصالحين ، وهان عليه معالجة الصدق في عمله ، واطمأنت نفسه إلى التذلل والتواضع ، وطاب له طريق العدل .
لأنه لا يقدر أن يحب للناس ما يحب لنفسه وفيه العز . . . ولا يقدر على كظم الغيظ وفيه العز . . ولا يقدر على قبول الحق وفيه العز . . . ولا يقدر على التواضع الذي هو شرف التقوى وحليتها وفيه العز . . . ولا يقدر أن يدوم على الصدق وفيه العز . . . ولا يقدر على ترك الحسد وفيه العز . . . ولا يقدر على ترك الحقد وفيه العز ، ولا يقدر على ترك العصبية وفيه العز . . . ولا يقدر على سلامة القلب وفيه العز . . . ولا يقدر على النصح وفيه العز . . .
ولا يسلم من الإزراء على الناس وفيه العز .
فما أكثر ضرره ، وأعظم فساده ، وأظهر أمره ، وأقل رشده ، وأبين غيّه عنه الخاص والعام ، وما أغفل الناس عنه ، وأقل معرفتهم به ، وأشد متابعتهم له ! !
فالهوى حكمه . . . والكبر أخوه وعضده . . . والجور سيرته . . . والغضب سلطانه . . . والرياء عون من أعوانه . . يكسب . . وإليه يؤدّي . . والعجب أضعف عون له . . . والحسد أمير جنوده . . . والغلّ صاحب مشورته . . .
وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « الكبر والحسد يأكلان الحسنات كما تأكل النار الحطب » « 3 » .
وقال بعضهم : الغل والحسد .
هامش
( 1 ) بل تطور الحال الآن ، فأصبح من يتخذ لنفسه شكلا اسلاميا ظاهرا أو ينتسب إلى جماعة من جماعات المسلمين يرى في هذا الشكل عزا ظاهرا ، وعلوا على غيره ، بل وحقا في الفتوى والقيادة الدينية .
( 2 ) لأن الزهد في الجاه الدنيوي أول درجات الزهد ، بل وعلامة التي لا تكذب .
( 3 ) أخرجه ابن ماجة في الزهد 2 / 845 .