اليقين والعز
صدق اليقين :
وأما اليقين فعند العمل . والصدق فيه : مشاهدة الثواب والعقاب ، فليس بكثرة النفقة ، ولا بكثرة الكلام ، ولا يحتاج فيه إلى تحريك الشفتين ، ولكن بالإيمان وبالعقل ، وبالمعرفة ، وحسن التدبير ، في ظاهر أمر العبد وباطنه .
فتعرف الصدق ، وتعرف ضده من الكذب . وتعرف الخير ، وتعرف ضده من الشر .
فتعمل في إثبات الصدق ، ونفي ضده ، وتعلم الأصل من الفرع ، فيكون الشغل في إثبات الصدق من وجه الأصل ، وانتفاء ضده من وجه الأصل ، فإن الأصل يأتي على الفروع .
وما دام العبد يشتغل بالفرع عن الأصل « 1 » ، فليس لشغله فناء ، ما دام الأصل ثابتا ، كلما ذهب فرع أخلف فرعا آخر بدله « 2 » .
العز في النفس أصل مرض القلوب :
وحب العز أصل ، ومنه مخرج حب الرئاسة والجاه عند الناس ، ومنه الكبر والفخر ، ومنه الغضب والحسد ، ومنه الحقد والحمية والعصبية . والنفس عاشقة له ، وهو قرة عينها ، وهو أحب إليها من أم واحد لواحدها .
وبلغني : أنه آخر ما يبقى في قلوب تاركي الدنيا للآخرة ، وذلك لصعوبة تمكّنه من النفس .
فالعمل الصالح من غير المريد المستحكم « 3 » من أهل القراءة « 4 » سلاحه الذي يقوي به سلطانه هو العز في النفس ، والفخر بالعمل ، والإزراء على الناس .
وقد رأينا من يعمل أعمال الصالحين من الصلاة والصيام والصدقة والحج والجهاد ،
هامش
( 1 ) من أ ( وما دام العبد يشتغل بالأصل عن الفرع ) . وهو خطأ .
( 2 ) هذه دعوة جديرة بالنظر ، وهي علاج آفات النفوس والقلوب من جذورها ، لا من اعراضها وظواهرها لما هو شائع بين الكتاب المسلمين في العصر الحاضر .
( 3 ) المريد غير المستحكم : أي غير المتثبت ولا العارف من أهل اليقظة والاعتبار .
( 4 ) أهل القراءة هم : القراء . وهم العباد على جهالة بآفات النفوس ، وعلى علم بالقراءة . وهم الآن حفاظ القرآن قراؤه بالألحان وغير الألحان في أغلبهم .