الخوف من تحول النية :
وربما كان اعتقاد الرجل عند عمله : إرادة الآخرة ، ثم ينتقل قليلا قليلا إلى إرادة الدنيا . وذلك أنه شيء خفي ، والعامة تقل معرفتهم به ، وعنايتهم بذلك ، وتكثر غفلتهم وسهوتهم عنه ، وقد كان ينبغي أن تكون عناية المؤمن بذلك أكثر من عنايته بما يعمل من الأعمال الظاهرة ، لأن أعمال الجوارح لا يمكنه أن يقلبها ، ولا يغيرها عن حالها ، والنية لا يأمن عليها الفساد وإن كانت صادقة صحيحة : أن تتحول من أحسن ما كانت عليه إلى أقبح ما تكون عليه ، وأفسد لعمل صاحبها .
وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « الأعمال بالنية ، وإنما لا مرىء ما نوى » « 1 » .
فالأعمال بالنية تكون ، وعن النية تكون ، فالعبد أحوج إلى معرفة النية ، ومعرفة فسادها ، إذ كانت الأعمال إنما تصح بتصحيحها ، وتفسد بفسادها ، وإن جميع ما نذكره إنما هو وصف للعمل ، وللحقيقة والصحة علامات غير هذا .
وإن الأعمال كلها عملان : عمل تمكن فيه النية ، وعمل لا تمكن فيه النية . والعمل لغير طاعة اللّه أو على غير سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لا تمكن فيه النية . والذي تمكن فيه النية عمل في طاعة اللّه على السبيل والسنّة . والناس فيه صنفان :
صنف يعرفون النية ، وصنف لا يعرفون النية .
والذين يعرفونها صنفان :
صنف يقنعهم النظر فيها بالجزاف والأماني ، وصنف لا يأتمنون أنفسهم عليها ، ولا يعنون إلّا بما يصح لهم من ذلك عند الميزان ، وهو المحنة ، محنة نفسك .
وجوب الدقة في مراقبة القلب :
ومن الناس من يرى أنه يكره المحمدة والثناء إشفاقا على عمله ، وخوفا من فتنته ، فلا يعبأ بما يخيّل إليه من ذلك ويظن ، لأن كثرة ما يظن الناس من ذلك ليس كما يظنون ، حتى ينظروا إلى تحقيق صدقه عند البيان « 2 » .
هامش
أما السرور ، باطلاعهم ليحمدوه ويبجلوه فهو السرور المذموم . وقد يكثر هذا فيمن يسر باطلاع الناس وتعظيمهم الطاعة رجاء ان يقتدوا به ، ويعملوا مثل ذلك العمل ، فربما تحولت النية من هذا المقام إلى الإعجاب .
( 1 ) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه .
( 2 ) والفرح بالثناء أو الكراهة للمذمة هو تابع للفرح بالعمل نفسه . ويقول المحاسبي : أن العبد يفرح لتوفيق اللّه إياه على العمل ، ومعونته له ، واستعماله إياه ، بما عرفه ووفقه وقواه وهداه وأرشده ، فيزداد للّه شكرا ، -