المدح والذم
الفرق بين الرياء وحب المدح وكراهة الذم :
قلت : الرجل يقول : إنه ممن لا يريد بعمله جزاء ولا شكورا ، وهو معروف بأعمال البر : بالصلاة ، والصدقة ، والصيام ، وغير ذلك . وقد مدحه قوم فسرّه ذلك جدا ، وفرح به ، وذمّه آخرون فساءه ذلك جدا وكرهه ، حتى عرف من نفسه التغيّر لكلا الفريقين جميعا ، كيف يعرف هذا نيّته وحب المحمدة وكراهية المذمة ثابت في قلبه ؟ والمرائي يحب الثناء ، ويكره المذمة .
قال : إنه لا يجب على الناس أن يكرهوا الثناء الحسن والمحمدة ، ولا يجب عليهم أن يحبوا المذمة ، عملوا الحسنات أو لم يعملوا ، إذا لم يكن ذلك منهم من معنى فاسد ، لأن المرائي وإن كان يريد ( العمل ) على أن يحب المحمدة ويكره المذمة ، فإن الصادق لا يجب عليه أن يكره الثناء ويحب المذمة .
وإن أكثر الصادقين قد مدحوا ، وأثني عليهم ، ولم يضرهم ذلك شيئا .
وإنما الفرق بينهما : أن المرائي إرادته وأمله في عمله جاه الدنيا ، والمنزلة عند أهلها ، فأفسد عمله بنيّته وإرادته ، نال الذي أراد من ذلك أو لم ينله ، حمدوه على عمله أو لم يحمدوه ، ذموه أو لم يذموه .
وغير المارئي إنما كره المذمة لحال ما فيها من الكراهية ، مثل السقوط من أعين الناس ، والبغضة والمقت من المؤمنين ، وأشباه ذلك ، والثناء الحسن ، والقول الجميل أحبه لموضع ستر اللّه ، ولما جاء من الرجاء في الثناء الحسن ، والقول الجميل ، والمحبة من الناس ، ومودتهم له ، وكان اعتقاد نيته وعزمه في أول أمره وآخره . ألا يريد بذلك إلّا وجه اللّه وحده ، والدار الآخرة ، حمدوه أو ذموه ، أحبوه أو أبغضوه « 1 » .
هامش
( 1 ) قال المؤلف في الرعاية ص 268 وما بعدها كلاما أوضح من هذا . قال :
1 - قد يسر إذا أطلعهم اللّه على عمله وقد كان هو يستره عنهم ، فأبى اللّه إلا أن يطلعهم ، يسر بما يرى من نعمة اللّه بستره القبيح وإظهار الجميل . . لا سرورا بحب حمدهم على طاعة اللّه ، ولكن بستر القبيح وإظهار الجميل . . وهذا سرور غير مذموم .
2 - السرور والحمد على الطاعة إذا ظهرت من المطيع ، لأنه يجب أن تكون قلوبهم محبة لكل مطيع للّه إلا لأنه بذاته أطاعوه .
3 - يسر بستر القبيح وإظهار الجميل رجاء ان يكون دلالة على الستر يوم القيامة .