السرور إلى قلبه في ثناء إذا سمعته رجاء القدوة به ، إذا كان ممن يصلح أن يقتدى به ، لقول اللّه عز وجل :
وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً
« 1 » يقول أئمة في الخير يقتدى بنا .
فإن كان كذلك رجوت ألا يضره ذلك ، ولا يفسد عليه عمله .
وقد ذكر عن مطرف « 2 » أنه قال : « ما سمعت ثناء أو مدحة إلّا تصاغرت إلي نفسي » .
وقال زياد بن أبي مسلم : « ليس أحد مسمع ثناء أو مدحة إلّا تراءى له شيطان ، ولكن المؤمن يراجع » . فقال ابن المبارك : صدق كلاهما .
أما ما ذكر زياد فذلك قلب العوام ، وأما ما ذكر مطرف فذلك قلب الخواص .
وإن كان مذهبه ونيته إذا سمع ذلك وسرّ به طلب الرفعة والمنزلة عند الناس فيما أسوأ حاله في إحباط عمله .
مذهب الصالحين وأهل الرياء في المدح والذم :
وأما المرائي فهو الذي يكون مذهبه ونيته في أول عمله وآخره ، طلب الثناء والمحمدة ، والرفعة والتكرمة عند الناس ، وإحراز المنافع به ، فذلك الذي جاءه الويل والثّبور في الدنيا والآخرة .
فإن كان يعرف معرفة حق : أن ما أعجبه لهذا المعنى ، ولم يعجبه ذلك لما نال من الجاه عندهم فلا جناح عليه « 3 » .
وعلامته أن يزداد تواضعا ، ويحدث خوفا من الاستدراج ، وما يخفى من عمله فهو أحب مما يظهره ، لأنه طمع في طريقة الصالحين ، فعلى قدر ذلك ينبغي أن يرغب في أعمالهم ، وما نالوا به اسم الصلاح ، وصاروا من أهله ، مع ما يلزمه من الخوف من الفتنة ، مما يلزم أهل الثناء والمحمدة إذا أثني عليهم أو مدحوا ، مثل قوله عليه السلام : « عقرت الرجل » . ومثل قوله : « لو سمعك ما أفلح » . وقوله : « قطعت عنق أخيك » « 4 » . وقوله : « إياكم
هامش
( 1 ) سورة : الفرقان ، الآية 74 .
( 2 ) مطرف بن عبد اللّه بن الشخير العامري البصري الفقيه العابد ، كان مجاب الدعوة ، توفي عام 95 ه ( انظر تهذيب التهذيب 1 / 3 ) .
( 3 ) يريد أن يعجبه لمعنى ستر اللّه بين المؤمنين بشرط أن يكون بدء العمل إرادة اللّه كما شرح ذلك وشيكا .
( 4 ) أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجة عن أبي بكرة أن رجلا أثنى على رجل عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقال له :
« قطعت عنق صاحبك » ثلاث مرات ، ثم قال : « إذا أثنى أحدكم على صاحبه لا محالة فليقل : أحسبه كذا ، ولا أزكي على اللّه أحدا » .