المعرفة بلا عمل وسيلة للعمل
قلت : أما تخاف أن تكون هذه المعرفة حجة عليك ؟ والاشتغال بوصفها خدعة من الشيطان « 1 » ، طويلة وصدّا عن نفعها ؟
فقال : وا سوأتاه من غفلة واصفها عن محاسنها ، ومن رام رمى فلم يخطئ حيث أراد « 2 » ، فأما الأمن فمحرّم ، وأما الخوف ففرض على من يؤمن باللّه واليوم الآخر ، وبالوعد والوعيد .
وقد علمت أن القصد إلى نفس المحبة ، والعناية بها ، أبلغ لصاحبها ، وأكثر له في المنفعة منه بوصف المحبة ، لأن طلب نفس المنفعة غير طلب وصف المنفعة . وإنما اشتغلت بالوصف اضطرارا ، حيث رأيت نفسي خارجا منهما جميعا ، فاعتنيت بمعرفة وصفها ، والهداية إليها ، رجاء أن يوصلني إلى نفس المنفعة ، والهداية إليها « 3 » ، واللّه المستعان على ما نقول وما نضمر .
خلاصة المعارف :
وإن العبد بين تسع مخاوف :
فأولاها : أن يخاف ويدعو اللّه ، ويتضرع إليه : ألا يكله إلى حسناته التي يتعزز بها في عباد اللّه ظلما وعدوانا .
والثانية : أن يخاف من كفران النعم التي قد غلب عليه البطر بها « 4 » ، فأشغله عن الشكر عليها .
والثالثة : خوف الاستدراج بالنعم وتواترها « 5 » .
هامش
( 1 ) يعني : مجرد العلم بخداع النفس ، وكيف تقوده إلى الهلكة ، والعلم بالآفات المفسدة للعمل ، إلى غير ذلك من معارف السلوك .
( 2 ) يوازن بين من يصف المعارف ويعلمها ، ويغفل عن تطبيقها والانتفاع بها ، وبين الرامي الذي يرمي فلا يخطئ الهدف ، يعني الذي يستعمل المعارف فيصيب حيث يريد . . فلا يستوي هذا وذاك .
( 3 ) يعني : أنه اشتغل بوصف المعرفة من باب مذاكرة العلم التي قد تصل بصاحبها إلى حقيقة العلم . انظر ( ضمرة الحان للنابلسي ص 56 ) . وقد سبق للمؤلف هنا : أن اسم الشيء غير نفس الشيء . . وإن الإنسان يحب اسم الخير ، ويكره نفس الخير . ويكره اسم الشر ويحب نفس الشر .
( 4 ) البطر : احتقار الحق ودفعه تجبرا .
( 5 ) الاستدراج بالنعم : أن يعطي العبد من خير الدنيا وهو مقيم على الشر ، فيظن ان عطاءه انما هو من رضا