تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
والمدح فإنه الذبح « 1 » وقوله : « إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب » « 2 » . وقوله : « لو مشى رجل إلى رجل بسكين مرهف كان خيرا له من أن يثنى عليه في وجهه » « 3 » . ومثل هذا كثير . وصاحب المدحة الخوف عليه أكثر من الرجاء ، لأن الخوف لا يضره ، والرجاء لا تؤمن فتنته . وعلامة أصحاب الجاه في الدنيا ، وأصحاب الرياء المحبين لذلك : أنهم إذا سمعوا الثناء والمحمدة أحبوا ذلك ، وازدادوا عزة وإعجابا بأنفسهم ، وغفلة عن الاستدراج ، وتمادوا وتمنّوا ، وطمعوا أن ما ظهر عليهم من أعمالهم كان أحب إليهم ما خفي ، ولم يخافوا من فتنة ، ولا من آفة . وكذلك إذا كره المذمة ، إنما كرهها لأنه أحب أن يكون مكانها مدحة وثناء ، لينال بذلك الجاه والقدر ، والمنزلة والرفعة عند الناس ، فهي كراهية سقيمة مذمومة ، وصاحبها مغرور مخدوع . وإن كان إنما هي حب منه لستر اللّه عليه ، وكراهية هتك الستر عنه ، لأنه لم يمقته الناس حتى جاءه المقت من عند اللّه قبل مقت الناس ، فإن كانت الكراهية إنما هي من هذه الجهة ، فإن هذا يكرهه الصادق وغير الصادق ، فلا يلام عليه . وعلامته : التضرع والاستكانة ، والمراجعة ، والنظر في التخلص إلى طريق محبة اللّه تعالى ، وسبيل الاستقامة ، ومحجة الإيمان ، والجد فيه « 4 » .

زيادة بيان لعلاقات الفريقين :

وأبين من ذلك : إن كل من زعم أنه يريد بعمله وجه اللّه ، ولا يريد من أحد على عمل يعمله من الأعمال الصالحات جزاء ولا شكورا ، ثم عرفه الناس بعمله ، وذكره به ، وصار معروفا عندهم ، ونال منهم الرفعة فإن كان يعرف من نفسه أنه إذا عرض عليها أن يتحول اسمه وما نال بعمله من الناس من الثناء والمحمدة إلى غيره ، ويبقى هو عند الناس كمن لا
هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة في الأدب 2 / 645 ، وفيه : ( إياكم والتمادح ) . ( 2 ) أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة عن همام أن رجلا اثنى على عثمان فأخذ المقداد ترابا وحثا في وجهه ، سابق الحديث . ( 3 ) أخرجه البخاري 5 / 160 ، ومسلم في الزهد 6 / 100 . ( 4 ) لمزيد من البيان في المدح والذم وأحوالهما ، وأحوال السلف فيهما وآراء العلماء قارن بما كتبه المؤلف في الوصايا الباب السادس والثلاثين والسابع والثلاثين من ص 125 إلى ص 149 .
آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 74 | الحارث المحاسبي / عبد القادر احمد عطا