تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
وانفجرت إليه أنهار الغلظة والقسوة ، فأحببت أن تنظر إلى الناس بالإزراء عليهم ، والاحتقار لهم ، وقلة الرحمة ، وأردت أن ينظروا إليك بالتعظيم والمهابة والرحمة . فمن وافقك منهم على ذلك نال منك قربا ومحبة ، ونلت أنت من اللّه تعالى بعدا وسخطا ، ومن خالفك فيه ازداد منك بعدا وبغضا ، وازددت أنت من اللّه بعدا وسخطا . وأطلت في ذلك كله أملك ، فطاب لك المسير في طريق التسويف ، ومدارج الحيرات ، فاشتدت رغبة نفسك ، واستمكن الحرص من قلبك ، فعظمت لذلك في الدنيا رغبتك ، وشحّت ، فجمحت إلى شهواتها ، واحتوشت قلبك لذاتها ، فحال ذلك بينك وبين أن تجد حلاوة سلوك طريق الآخرة . فقلبك حيران على سبيل حيرة « 1 » ، قد اشتبهت عليك سبل النجاة ، وشقق حجاب الذنوب ، فأنست لقربها ، وطاب لك شم ريحها « 2 » ، فوصلت بذلك إلى محض المعصية ، فادعيت ما ليس لك ، وتناولت ما يبعد مرامه من مثلك « 3 » . ثم أخرجك ذلك إلى أن تكلمت لغير اللّه ، ونظرت إلى ما ليس لك ، وعملت لغير اللّه ، فكنت مخدوعا مسبوعا « 4 » عند حسن ظنك بنفسك وأنت لا تشعر ، ومستدرجا من حيث لا تعلم ، فكان ميراث عملك : الخبث ، والجريرة ، والغش ، والخديعة ، والخيانة ، والمداهنة ، والمكروه ، وترك النصيحة ، وأنت في ذلك كله مظهر لمباينة ذلك . فمن كانت هذه سيرته ، فلا ينكر أن يبدو له من اللّه ما لم يكن يحتسب . فلو كان لك يا مسكين أدنى تخوّف ، لبكيت على نفسك بكاء الثكلى المحبة لمن أثكلت ، ونحت عليها نياحة الموتى حين غشيك شؤم الذنوب . ولو بكى عليك أهل السماوات وأهل الأرض لكنت مستوجبا لذلك ، لعظم مصيبتك . ولو عزاك عليها جميع الخلق تعزية المحروب المسلوب لكنت مستحقا لذلك ، لأنك قد حرمت دينك ، وسلبت معرفتك بشؤم الذنوب ، فركبك ذل المعصية ، وأثبت اسمك في ديوان العاصين ، واستوحش منك أهل التقوى ، إلّا من كان في مثالك . فأخذ الذين أرادوا اللّه وحده في طريق المحبة له ، وسلكوا سبيل النجاة إليه . وأخذت
هامش
( 1 ) يعني : أصبح قلبك في حيرة ، لأنه سلك طريق الحيرة ، لا يعرف فيها الحق من الباطل . ( 2 ) نعم . قد تكون للمعاصي روائح مادية كالخمر والزنا والمخدرات . . وقد يكون لها روائح معنوية يحس بها العاصي ، وينفر منها المطيع ، ويدل على ذلك ما جاء من حديث المعراج من روائح المذنبين . ( 3 ) الذي يبعد مرامه من قبله هو درجات المحسنين التي تاقت نفسه للوصول إليها . ( 4 ) مسبوعا : متعرضا للخطر كما تتعرض للسباع .