القريب من التوبة والبعيد منها
صدق الندم وعلامته :
قلت : فمن أرجا الناس لقبول التوبة منهم ؟
قال : أشدهم خوفا ، وأصدقهم ندامة على ما كان منه ، وما شاهد اللّه واطلع عليه من زلله ، وخطله « 1 » ، وطول غفلته ، ودوام إعراضه ، وأحسنهم تحفّظا فيما يستقبل . وإن استووا في ذلك فأشدهم اجتهادا في العمل .
لأن علامة صدق الندم على ما مضى من الذنوب : شدة التحفظ فيما بقي من العمر ، ومواثبة الطاعة بالجد والاجتهاد ، واستقلال كثير الطاعة ، واستكثار قليل النعمة ، مع رقة القلب ، وصفائه وطهارته ، ودوام الحزن فيه ، وكثرة البكاء ، والتفويض إلى اللّه تعالى في جميع الأمور ، والتبرّي إليه من الحول والقوة ، ثم الصبر بعد ذلك على أحكام اللّه عز وجل ، والرضا عنه في جميعها ، والتسليم لأموره كلها « 2 » .
الخطأ في طريق التوبة ونتائجه :
وقال لي : قد علمت من أين غلطت : أحسنت الظن بنفسك ، فتاقت إلى درجات المحسنين بخلاف سيرتهم ، من غير إنكار منك عليها لمساوىء أعمالها ، ولا دفع لما ادّعته من أعمال الصادقين « 3 » .
وأسأت الظن بغيرك ، فأنزلتهم في درجة المسيئين ، إغفالا منك لشأنك ، وتفرغت للنظر في عيوب غيرك « 4 » .
فلما كان ذلك منك كذلك ، عوقبت بأن غارت عيون الرأفة والرحمة من قلبك ،
هامش
( 1 ) الخطل : الخطأ في الرأي والعمل .
( 2 ) قارن ما كتبه المؤلف عن الحزن في ( القصد والرجوع إلى اللّه ص 96 ، 97 ) وفيه : أن الحزن يستجلب بالفكر من الذنوب السالفة ، وأخذ القلوب بحقوق اللّه الواجبة ، وبمعرفة الخلاف على اللّه تعالى .
( 3 ) ليس المراد دفع العمل ، وإنما المراد دفع ادعاء العمل كذبا ونفاقا وأدعاء الصلاح دون عمل الصالحين ، وهو داء شائع بين المشتغلين في حقل الدعوة الإسلامية .
( 4 ) ومن هذا أن يعير المذنب بذنب عمله ثم تاب عنه . فيكون اللّه قد قبل توبة المذنب ، وهذا المدعي الكاذب يعيره به ، ويشهر به من أجله .