قال : ترك ذكر عيب من غيرك ترجو على ذكره إذا ذكّر به الثواب « 1 » ، لكيلا يخرجك ذلك إلى ذكر عيب « 2 » من غيرك تخاف على ذكره العقاب ، وخذ نفسك بهذا الباب أشد الأخذ ، واحمل عليه من الناس من استرشدك ، وأراد مثل الذي تريد .
فإن العبد إنما يؤتى من قبل التهاون باليسير ، وهو الذي يوقع في الإثم الكبير ، والتهاون باليسير هو الأساس الذي يبني عليه الكثير . فيكون أوله كان تحفظا ، ثم صار انبساطا ، ثم صار من الانبساط إلى ذكر اليسير ، ثم صار من اليسير إلى ما هو أكثر منه ، فلا تشعر حتى ترى نفسك حيث كنت تكره أن ترى فيه غيرك ، ففي ترك اليسير ترك اليسير والكثير .
وأقوى الناس على ذلك وأصدقهم عزما هو الذي إذا عزم أمضى عزمه ولم يلو ، وأضعف الناس في ذلك أضعفهم عزما ، وهو الذي يعزم ثم يحلّ عزمه ولا يكاد يمضي عزما .
فهذا الذي يتلاعب به الشيطان والهوى والنفس ، ليس له عندهم قدر ، لكثرة معرفتهم بتناقص عزمه ، وقلة استعماله ، وأولو العزم من الناس أفاضل الخلق من كل طبقة .
هامش
( 1 ) يعني : كما إذا رجوت بذكر هذا العيب النصيحة ، ورد المسلم إلى صواب ، فهذا من عليه الثواب ، ولكن له أولى ، لئلا يخرجك إلى الإثم بذكر عيوب تحتمه . . وليس معنى هذا ترك النصيحة للمسلم ، ولكن النصيحة جبة بالتعريض ، دون ذكر العيوب منسوبة إلى أصحابها ، أما أن تقترن النصيحة بذكر عيوب المنصوح فلا .
( 2 ) ومن ظواهر هذا العيب : ما نراه ونسمعه من خطباء بعض المساجد وبعض الوعاظ من بناء عملهم على ذكر الفضائح والعيوب ، والتشهير بالمسلمين . . ومن العجيب أن الناس يحبون منهم ذلك ، ويجتمعون حولهم لهذا السبب .