ميزانك يوم القيامة بصدق المراجعة ومبادرتها قبل أن تبرد عنك حلاوتها « 1 » ، فإنها موهبة عظيمة من مواهب اللّه تعالى ، أكرم بها أهل خاصته ، وعظّم النعمة عليهم فيها ، فإن عظم النعمة على قدر الحاجة .
فانظر هل راجعت نفسك وأمرك إلّا وقد وجدت فيه موضع مرمّة ومصلحة ، أو وجدت مفسودا بعينه ، فلو لم تلحقه بالمراجعة لكان ذاهب إلى يوم القيامة .
المراجعة أساس السلوك الصحيح :
واعلم أني إنما أكثر عليك وعلى نفسي من ذكر المراجعة لما قد استبان لي من الاضطرار والحاجة إليها ، فلو قد تعلّقت بشيء من الخير فيها يكون ونسبتها « 2 » ، وإلّا فلا . . .
وما تركك لها إلّا كالمستأنس لعدوه ، والمسلم نفسه إليه ، فهلكت وأنت لا تشعر .
وإن كنت متهاونا بما أقول لك ، فإن أكثر حاجتك إليها في صلاة الفريضة ، ثم بعدها ، وهلم جرّا في جميع أمورك .
ولو كنت ممن يتفقد أمره لعلمت ما ذا دخل عليك من الندامة والحسرة ، حيث فارقتك المراجعة في صلاة الفريضة ، فلم تدر ما ذا قرأ إمامك ، ولم تدر أفي فرض كنت أم في نافلة ، في صلاة كنت أم في غيرها ، وأنت في رأى العين ممن يناجي ربه .
قد أصغيت بأذنيك إلى إمامك ، وتخشّعت بوقوفك ، وفرّغت قلبك لاستماع ما يقرأ إمامك من كلام ربك في صلاة فريضتك ، التي ليس شيء أوجب عليك منها ، فرجعت منها وقد ظهر منك ما وصفنا ، وأنت كمن لم يشهدها ، لقلة ضبطك بالمراجعة لنفسك فيها « 3 » .
ولعل الذي حضرت منها بقلبك ، أو عقلته فلم تسه عنه ، لو قيل لك : أتحب أن يكون ذلك منك كما كنت ساهيا ولك مائة ألف دينار ، لقلت : لا .
فاعتن الآن بتعاهد هذه المراجعة على قدر ما عرفت من حاجتك إليها ، فإنما لك من عمرك تيقظك ، وتيقظك : مراجعة ما فيه منفعتك وقربتك ، والمصير إليه بالعقل ، وما سوى
هامش
( 1 ) يعني : لا تكفي المراجعة ثم السكوت عنها بعد ذلك ، فلا بد من مبادرتها وملاحقتها ومتابعتها قبل أن تبرد آثارها . . لأن الركون إلى السخاء يبلد الطباع ، ويوقع في الكسل عنه .
( 2 ) أي : أن تعلقك بالخير يحقق لك الخير بنسبة ما يصاحبه من المراجعة وإن لم تكن مراجعة فلا يكتمل الخير من العمل .
( 3 ) وفي هذه الورطة يقع الكثيرون من الذين يصلون على حكم العادة فيعنون بكل شكليات الصلاة ، ويهملون جوهره تماما ، في الوقت الذي يتظاهرون فيه بالخشوع والإخبات ظاهرا بلا حقيقة .