تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨

التطهير والعمل

أهمية التطهر من الآفات قبل العمل :

والتطهير هو : الانتقال عن الشر إلى الأساس الذي يبنى عليه الخير « 1 » . . . وقد يمكن أن يسقط البناء ويبقى الأساس ، ولا يمكن أن يسقط الأساس ويبقى البناء . ومن لم يتطهر قبل العمل ، فإن الشر يمنع العبد من منفعة الخير ، فترك الشر أولى بالعبد ، ثم يطلب الخبر بعد . والنفس تجزع من التطهير ، وتفرّ إلى أعمال الطاعات ، لثقل التطهر عليها ، وخفة العمل بالطاعات بلا طهارة . فإذا كانت الطهارات متقدمة أمام العمل بالطاعات « 2 » بعد خفته عليها لمكان الطهارة ، فالحاجة إلى معرفة الأسباب التي يطلب منها الخير ، وتوصل إلى اللّه شديدة . فمن كانت له عناية بنفسه ، وخاف عليها التلف ، طلب لطائف الأسباب بدقائق الفطن ، وغائص الفهم ، حتى يصل إليها . فإذا وصل إليها تمسّك بها ، وعمل عليها ، لأن المعرفة لآفات العمل تكون قبل العمل ، ومعرفة الطريق قبل سلوكه ، وحاجة العبد إلى معرفة نفسه وهواها ، وعدوه ، ومعرفة الشر أشد إن كان كيّسا ، وهو إلى ذلك أفقر إن كان فطنا معنيّا بنفسه . لأنه ليس العمل بكل الخير يلزم العبد ، والشر كله لازم للعبد تركه ، ومن ترك الشر وقع في الخير ، وليس كل من عمل ، عمل بالخير كان من أهله . ومعرفة العبد للشر فيها علم الخير والشر ، وليس في معرفة الخير العلمان جميعا ، لأن كل من ميز الخير من الشر فعزله واعتزله ، فكل ما بقي بعد ذلك فهو خير كله . وقد يمكن أن يعلم الخير ولا يحسن أن يميز ما فيه من الشر من الآفات التي تفسده وتبطله ، لأن الخير
هامش
( 1 ) وهذا الأساس هو صدق الإرادة ، وصلاح النية ، ودوام المراقبة ، وتواطؤ القلب واللسان والجوارح على العمل . ( 2 ) ومن تأمل شرائع الإسلام أدرك الشواهد الظاهرة للطهارات قبل الأعمال ، وأدرك أن المراد منها أن تتعدى من الظواهر إلى البواطن . فالوضوء أمام الصلاة . . . والإحرام أمام الحج ظهارة من زينة الدنيا وغوايتها . . والصدقات أمام أعمال العمران تطهير للانسان من أدران المادية بوجه عام . قال تعالى :خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها .التوبة 103 . فجعل الطهارة لهم لا لأموالهم .