عقدت بقلبك حب حمدهم على ذلك ، وأحببت اتخاذ المنزلة عندهم بذلك .
وإن كان شيئا يتقرّب به إلى اللّه من طاعة بعقد ضمير ، أو اكتساب جوارح ، فإن كان ذلك سرا أحببت أن يطلعوا عليه ليحمدوك ، ويقوم به جاهك .
فلم تقنع باطلاع اللّه عز وجل ، ولا بثوابه في عمل السر ولا في عمل العلانية ، وأنت قانع بذلك ، راض به ، غافل متماد ، معتزّ مخدوع ، وكانت هذه الحالة عندك أحسن أحوالك ، وأحزم أمورك .
ولو استغنيت باللّه وحده ، وباطلاعه عليك ، وبجزيل ثوابه لأهل طاعته ، ومحبته لهم ، وتوفيقه لهم ، وتسديده إياهم ، وراقبته ، لأغناك ذلك عمن لا يملك لك ولا لنفسه ضرا ولا نفعا .
وقد رضي منك بذلك . . . وليتك تضبطه « 1 » .
فأولى الفضائل بك ، وأنفعها لك ، أن تكون نفسك عندك دون قدرها ، وأن تكون سريرتك أفضل من علانيتك ، وأن تبذل للناس حقوقهم ، ولا تأخذ منهم حقك ، وتتجاوز عما يكون منهم ، وتنصفهم من نفسك ، ولا تطلب الإنصاف منهم « 2 » .
وإنما هو التطهير ثم العمل . . . والتطهير أولى بنا من العمل .
هامش
( 1 ) أي قد رضي منك بمراقبة اطلاعه عليك دون خلقه ، وليتك تضبط هذه المراقبة فلا تنساها . وقد تحدث المؤلف عن المراقبة كثيرا في كتبه . ومن أجمله ما قاله في كتابه « القصد والرجوع إلى اللّه » ص 106 « ويوصل إليها : قطع علائق الاشغال ، ولزوم العلم والتعاهد بالعناية والرعاية .
« وعلامتها : اجتماع أطراف صاحبها ، والانفراد بها عن غيرها ، حتى إذا نظر اليه ناظر قال : هذا ساه مشغول القلب ، لما قد تمكن فيه من دوام مراعاة المراقبة ، ولزوم العناية .
« والمراقبة تنقل إلى الحياء من اللّه عز وجل ، وإلى كل حال جميل يقرب إليه » .
( 2 ) المراد أن يكون هذا التسامح والبذل عن قدرة ، لا عن ضعف وخور واستجابة للابتزاز .