صفات أهل العدل :
ولا يكون العبد من أهل العدل إلّا بثلاث خصال : بالعلم حتى يعلم ما له مما عليه ، وبالفعل ، وبالصبر .
فمفتاح العدل وأولاه بالعبد ، وأوجبه عليه : أن يعرف قدر نفسه ، فلا يكون لها عنده قدر فوق منزلتها ، وأن الشبه سريرته علانيته .
وأحزم الناس فيه ، وأقربهم منه مأخذا : المراجع لنفسه في كل خطرة تهواها نفسه ، أو تكرهها ، فينظر في ذلك ، أن لو اطلع الناس على حالته هذه « 1 » ، فاستحيا أو كرهها ، تحوّل من تلك الحالة إلى حالة لا يستحيا منها ، فإن الذي لا يستحيا منه ضد الذي يستحيا منه .
فإذا تحول واستمر فلينظر ، فإن اشتهت نفسه أن يطلع الناس عليه ، تحول منه إلى ما لا تشتهيه نفسه ، فإن الذي تشتهيه ضده ، فيكون أبدا في ضد ما تشتهيه نفسه « 2 » .
أبعد الناس من العدل :
وأبعد الناس من العدل : أشدهم غفلة عن هذا ، وأقلهم محاسبة لنفسه ، وأبعد الناس من العدل وأطولهم غفلة عن هذا « 3 » : أشدهم تهاونا به .
ولو عقلت من الذي تراقب ، ثم تقطّعت أعضاؤك قطعا ، وانشقّ قلبك ، أو سحت في الأرض ، لكنت بذلك محموقا .
فلما لم تعقل لم تجد مسّ الحياء والخوف في مراقبة اللّه تعالى ، ومطالعته على ضميرك ، وعلمه بما تجلبه حواسّك على قلبك ، وقدرته المحيطة بك ، ثم أعرضت بعد ذلك كالمتهاون به إلى مراقبة من لا يطلع على سرك ، ولا علم له بما في ضميرك ، فقلت : لو اطلع الناس على ما في قلبي لقلوني ومقتوني ، فمسك الحياء والخوف منهم ، حذرا من نقصان جاهك ، وسقوط منزلتك عندهم ، فكنت لهم مراقبا ، ومنهم خائفا ، ومن مقتهم مشفقا ، إذا لم تجد مقت اللّه لك ، وسقوط منزلتك وجاهك عنده . . . ومقت اللّه أكبر .
ثم إذا عملت شيئا من الطاعات التي تقرّب إلى اللّه زلفى ، فإن هم اطلعوا عليها
هامش
( 1 ) في الأوصل ( أن لو اطلع عليه الناس على حالته هذه ) . وحذفنا عليه لعدم فائدتها .
( 2 ) إذن السلامة في الدين تتطلب دوام الحركة النفسية ، وعدم الركون إلى حال ، بل يكون الإنسان دائم النظر ، وهو ما يسميه المؤلف « بالمفاتشة » و « المحاسبة » . وقد اشتهر بذلك كما هو واضح من اسمه .
( 3 ) في أ ( وأطول غفلة عن هذا ) .