الخوف والحزن
وسيلة تحصيل الخوف والحزن :
وتعاهد يا أخي قلبك عند هممه ، وألزمه الفكرة في أمر المعاد ، فلا تفارق قلبك ، وتوّهم بقلبك هول المطلع عند مفارقة الدنيا ، وترك ما قد بذل أهلها في مهج نفوسهم ، وتدنيس أعراضهم ، وإخلاق مروءاتهم ، وانتقاص أديانهم ، ثم تركوا ذلك كله ، وقدموا على اللّه فرادى آحاد ، مع ما قد وردوا عليه من وحشة القبر ، وسؤال منكر ونكير ، وأهوال القيامة ، والوقوف بين يدي اللّه ، والمساءلة عن جميع ما كان منهم « 1 » من قول أو فعل ، من مثل مثاقيل الذّرّ ، وموازين الخردل .
وسؤاله عن الشباب فيم أبلى شبابه ؟ وعن العمر فيم أفنى عمره ؟ وعن المال من أين اكتسب ، وعمن منع « 2 » ؟ وفيم أنفق ؟ وعن العلم ما ذا عمل فيه ؟ وعن جميع الأعمال التي صدقوا فيها ، والني كذبوا فيها .
فإنك يا أخي إن شغلت قلبك بذلك ، وأسكنته إياه ، وكان فيك شيء من صحة تركيب العقل ، فإنه سيكل منك « 3 » لسانك ، ولا يعدمك الخوف اللازم ، مع الحزن الدائم ، والشغل المحيط بقلبك .
إبليس يهوى القلوب الخربة :
وإن إبليس إنما يسوّر عليك في الآثام من وسوسة نفسك ، وخراب قلبك .
وخرابه إنما يكون إذا كان فارغا من الخوف اللازم ، والحزن الدائم ، فحينئذ ينفث فيه بالوسوسة لآمال الدنيا ، والجمع لها ، مخافة فقرها ، مع لزوم طول الأمل لقلبك ، وإعراضه عن اللّه تعالى ، وانقطاع مواد عظمة اللّه منه ، وفراغه من الهيبة والحياء منه .
فإذا وجد القلب عامرا خنس ، ونفر منه ، ولم يجد فيه مساغا ، ولا من جوانبه مدخلا ، لأن القلب عامر بالخوف والأحزان والفكر ، فهو منير مضيء .
هامش
( 1 ) في الأصول ( منه ) والسياق يقتضي ما أثبتناه .
( 2 ) في الأصول ( وعما منع ) وما أثبتناه أليق بأسلوب العربية .
( 3 ) يعني : أنك إن اشتغلت بمحاسبة نفسك على عمرك ومالك وعلمك حسابا دقيقا ، فستحول اهتمامك من الثرثرة إلى الخرس ، استجابة للخوف والحزن الثائر في قلبك .