وورد عمر بن الخطاب على أبي بكر رضي اللّه عنهما ، وهو آخذ بطرف لسانه يبصبصه ، فقال : ما تصنع ؟ فقال : هذا أوردني الموارد » « 1 »
وقال عبد اللّه بن مسعود : « ليس شيء أحق بطول سجن من لسان » « 2 » .
إلى أخبار كثيرة في اللسان .
فإياك يا أخي والغفلة عنه ، فإنه أعظم جوارحك عليك جناية ، وأكثر ما تجد في صحيفة أعمالك يوم القيامة من الشر ما أملاه عليك لسانك ، وأكثر ما تجده في صحيفتك من الخير ما اكتسبه قلبك « 3 » .
فضل عمل القلب على عمل اللسان :
وذلك : أن اكتساب قلوب الحكماء ، وأهل البصائر للخير أعمال خفية ، تخفى على إبليس ، وعلى الحفظة ، فهي أعمال نقية من الفساد ، زاكية ، قد حصلت مع خفة مؤنة على أهلها ، جزيلة الثواب ، مخلصات من عوارض العدو ، ومن هوى النفس .
وذلك لأنها أعمال مستورة ، عن أعين العباد خاملة ، لأن العبد يصل إليها قائما وقاعدا ومضطجعا ، فأولئك هم أولو الألباب ،
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ .
« 4 » ، وأكثر ذكرهم التفكر ، قال تعالى :
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ .
« 4 » .
فهم أهل الإخمال « 5 » من المؤمنين الذين عبدوا اللّه عبادة لم تظهر منهم .
هامش
( 1 ) يبصبصه : يحركه . والحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت : والبيهقي ، وأحمد في الزهد 398 من الترتيب .
( 2 ) أخرجه محمد بن الحسن في الآثار 408 ، وأبو يوسف في الآثار 504 .
( 3 ) أنظر كتاب تأديب المريد . من الرعاية لحقوق اللّه ص 607 وما بعدها . وفيه يخبرنا كيف يكون عمل القلب ثقيلا في ميزانك . يقول : « فإن خرجت إلى سوقك نويت ان مررت ببعض المجالس أن تسلم للّه .
وإن رأيت مظلوما أن تنصره . وإن رأيت منكرا فاستطعت ان تغيره غيرته . وإلا أنكرته بقلبك . وإن مررت بأذى ان تميطه عن الطريق .
بمعنى المؤلف يستقصي جميع النوايا الخيرة . . ثم يقول : فكلما نويت أكثر كان لك الأجر أكثر ، فإن خرجت فإن كل ما قررت عليه مما يمكّن من النية ، فإن فعلته أجرت على نيتك وعلى فعلك ، وإن لم تفعل ذلك أجرت على نيتك » .
( 4 ) سورة : آل عمران ، الآية : 191 .
( 5 ) أهل الإخمال ليسوا هم الخاملون عن العمل . . بل هم الذين يؤثرون خمول الذكر ، وانكار الذات ، ويعملون من أجل المجموع ، ويزهدون في الشهرة ، وفي الاعلان عن أعمالهم . . أنظر ( الوصايا ص 163 ) .