فإذا قهرت صاحبها « 1 » على موافقة هواها « 2 » استعبدته ، فأذهلته وأذلّته ، وأدهشته وأتعبته ، وطيّشت عقله ، ودنّست عرضه ، وأخلقت مروءته « 3 » ، وفتنته عن دينه ، وإن كان عالما لبيبا عاقلا كيّسا فطينا فصيحا حكيما فقيها لوّثته ، وأسقطته ، وفضحته ، فاحتمل لها ذلك كله ، وهو الأريب العالم الأديب ، فصيّرته بعد العلم جاهلا سفيها ، أحمقا خفيفا .
وذلك : أنها سقته من موافقة هواها كأسا سمّا صرفا ، فاستمالته ، فمال بعلمه وعقله وفهمه ، ونفاذ حكمته وبصره ، فأجراه مجرى هوى نفسه « 4 » فعجّلت له الفضيحة في عاجل الدنيا ، عند حكمائها وعلائها ، وأسقطته من نعيم اللّه ، وأعين عباده من أهل البصائر « 5 » ، وأخرت له آجل الندامة الطويلة عند مفارقة الدنيا ، وفي عرصات القيامة .
قهر النفس على طلب الآخرة :
فإذا قطع عليها العبد الطمع من أسباب الدنيا ، وغلب بعقله هواها ، رجعت بطمعها إلى أسباب الآخرة لا محالة ، لأنها بنيت على الطمع « 6 » .
فإذت تجردت من أسباب الدنيا ، وأقلبت على نفسها بالإياس من المخلوقين « 7 » رجعت برغبتها وطمعها إلى أسباب الآخرة ، فجدت في طلبها واجتهدت ، وعزفت عن الدنيا ، وباينت الهوى ، وخالفت العدو ، وتبعت العلم ، وكانت مطية للعقل ، صابرة على مر ما يدل عليه الحق ، فنجت وأنجت .
هامش
( 1 ) في الأصول ( قهرت صاحبها العبد ) . وقد حذفنا كلمة ( العبد ) لعدم الحاجة إليها . ويظهر انها مدرجة من الناسخ تفسيرا لكلمة ( صاحبها ) .
( 2 ) الهوس إذن هو آلة الطمع الدنيوي في النفس ، وهو نفسه : الشره وهيجان الرغبة .
( 3 ) أخلقت مروءته : أبلتها وضيعتها .
( 4 ) ومن ذلك ما نراه كثيرا من كبر بعض العلماء عن الاعتراف بالخطأ ، فيلجأون إلى التأويل الفاسد للنصوص حتى تنفق مع أهوائهم في الاستكثار من الدنيا ، ومن الترف ، ومن إباحة الحرام . . وهذا مشهور لا يحتاج إلى فضيحة .
( 5 ) أما العامة ومن هم على شاكلة هؤلاء العلماء فيرددون أباطيلهم ، ويدعون إلى نحلتهم .
( 6 ) هذا ضرب من ضروب العلاج النفسي الإسلامي . . وهو : أن يعمل الداعية على تحويل الطبائع الجبلية في الإنسان إلى الاستعداد للآخرة . . كما يتحول الطمع هنا من الدنيا إلى الآخرة .
( 7 ) اليأس من المخلوقين هو الذي يجب على الدعاة أن يؤصلوه في نفوس المسلمين ، ومن هنا يتحول طمعهم من الدنيا إلى الطمع في الآخرة . من الطمع المرذول إلى الطمع المحمود .