سياسة القلب
تصفية القلب عن الحرص على الدنيا :
وتعاهد يا أخي قلبك بأسباب الآخرة ، وعرّضه لذلك ، وصنه من أسباب الدنيا ، ومن ذكر يجر إلى الحرص والرغبة .
ولا تأذن لقلبك في استصحاب ما يعسر طلبه ، وينطفئ نور القلب من أجله « 1 » ، وكن في تأليف ما بينه وبين محمود العواقب حريصا ، وخوّف نفسك عقوبة ما في يديه من الدنيا ، وقلة أدائك لما يجب عليك فيه من الشكر .
واستكثر ما في يديك ، لما تعلم من ضعف شكرك ، فتشتغل النفس بما في يديها عن الفكر في أمر الدنيا ، والمحبة للزيادة منها .
فإذا أجممتها « 2 » من ذكر الزيادة من الدنيا ، وحملتها على درجة الخوف مما في يديها ، قنعت ورضيت ، وعفّت عن طلب الدنيا بالحرص والرغبة ، ورجعت إلى الآخرة ، بالحرص عليها ، والرغبة فيها ، فإن النفس مبنية على أساس الطمع .
أخطار الطمع على القلب :
ومخرج الحرص والرغبة من الطمع ، وبناء الأنفس ( قائم ) على قواعد الطمع ، أما الطمع في الدنيا فيستعمل أداة الطمع في طلب الزيادة من الدنيا ، وأما الطمع في الآخرة فيستعمل أداة الطمع في طلب الزيادة من أعمال الآخرة بالحرص عليها ، والرغبة فيها .
قيل لحكيم : فما آلة الطمع ، وجماع آفاته ؟
قال : الشّره والحرص ، وهيجان الرغبة ، فعلى أيها أوقعت ( النفس ) طمعها أحضرت أداتها ، وجمعت آلتها ، وجدّت في طلبها .
هامش
( 1 ) يجب ملاحظة مذهب السلف كما يوضحه المؤلف ، وهو : إن طلب الدنيا في ذاته ليس مذموما إلا بسبب ما يصاحبه من الحرص والرغبة ، والتي يسميها المؤلف « عقد القلب على حب الدنيا » . ومن هنا ينطفئ نور القلب كما يقول ، بسبب اشتغاله بتحصيل ما يعسر طلبه . فليست فكرة المؤلف دعوة إلى السلبية في الدنيا .
( 2 ) أجممتها : أرحتها .