تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
« ووجدت إرشادهم ووصاياهم موافقة لأفاعيل أئمة الهدى ، مجتمعين على نصح الأمة ، لا يرجون أبدا في معصية ، ولا يقنطون من رحمة ، يرضون أبدا بالصبر على البأساء ، والرضا بالقضاء ، والشكر على النعماء ، يحببون اللّه تعالى إلى العبيد بذكر أياديه وإحسانه ، ويحثون العباد على الإنابة إلى اللّه تعالى علما بعظمة اللّه تعالى ، علماء بعظيم قدرته ، وعلماء بكتابه وسنته ، فقهاء في دينه ، علماء بما يحب ويكره ، ورعين عن البدع والأهواء تاركين للتعمق والإغلاء ، مبغضين للجدال والمراء ، متورعين عن الاغتياب والظلم ، مخالفين لأهوائهم ، محاسبين لأنفسهم ، مالكين لجوارحهم ، ورعين في مطاعمهم وملابسهم وجميع أحوالهم ، متفللين من المباح ، زاهدين في الحلال ، مشفقين من الحساب ، وجلين من المداد ، مزرين على أنفسهم من دون غيرهم : لكل امرئ منهم شأن يغنيه ، علماء بأمر الآخرة ، وأقاويل القيامة ، وجزيل الثواب ، وأليم العقاب ، وذلك أورثهم الحزن الدائم ، والهم المقيم ، فشغلوا عن نعيم الدنيا ونديمها » . « ولقد وصفوا من آداب الدين صفات ، وحدّدوا للورع حدودا ضاق لها صدري ، وعلمت أن آداب الدين ، وصدق الورع بحر لا ينجو من الغرق فيه شبهي ، ولا يقوم بحدود مثلي ، فتبين إلي فضلهم ، واتضح لي نصحهم ، وأيقنت أنهم العاملون بطريق الآخرة ، والمتأسون بالمرسلين ، فأصبحت راغبا في مذهبهم ، مقتبسا من فوائدهم ، محبا لطاعتهم . لا أعدل بهم سببا ، ولا أؤثر عليهم أحدا » . في هذه الوثيقة الخطيرة يؤرخ المحاسبي للحركة الدينية في عصره على غير ما أرخ لها المؤرخون التقليديون الذين يمكن أن نسميهم بمؤرخي الحكومات . أولئك المؤرخون الذين يثبتون في سجلات التاريخ ما يشرح صدور الحكام وإن كان يشيع القتام في سماء الإسلام . فعلى الرغم من أن التاريخ التقليدي يشيد بالنهضة العلمية في عصر المحاسبي فإن المحاسبي يتتبع أصناف علماء الإسلام بالفحص والنقد ، حتى يصل إلى أن العلماء الذين يصلون الحياة الدنيا بالدار الآخرة ، ويوقنون بكل غيب غير مدرك بالحواس يقينا يضع ذلك الغيب موضع المشاهدة المنظور القريب ، ويحول القلوب إلى نبض من الخوف والرجاء والالتزام بالقلوب والجوارح لا التزاما حرفيا خاليا من روح الحياة التي يبثها القلب في الحركات والأعمال وهذا النوع من العلماء كان أقل من القليل في عصر المحاسبي ، فما بالنا وفيما بعد عصره . كان العلماء يتزاحمون على أبواب السلاطين ، ولكن القليل منهم هم الذين كانوا