وجل بتأويل الفقهاء . . . ورأيت اختلافهم بحرا عميقا غرق فيه ناس ، وسلم منه عصابة قليلة . . . ورأيت كل صنف يزعم أن النجاة لمن تبعهم ، وأن المهالك لمن خالفهم .
ثم رأيت الناس أصنافا ، فمنهم العالم بأمر الآخرة ، لقاؤه عسير ، ووجوده عزيز ، ومنهم الجاهل ، فالبعد منه غنيمة ، ومنهم المتشبه بالعلماء ، مشغوف بدنياه ، مؤثر لها ، ومنهم حامل علم ، منسوب إلى الدين ، ملتمس بعلمه التعظيم والعلو ، ينال بالدين من عرض الدنيا ، ومنهم حامل علم لا يعلم تأويل ما حمل ، ومنهم متشبه بالنساك ، متحرّ للخير ، لا غناء عنده ، ولا نفاد لعلمه ، ولا معتمد على رأيه ، ومنهم منسوب إلى العقل والدهاء ، مفقود الورع والتقى ، ومنهم متوادون ، على الهواء واقفون ، وللدنيا يذلون ، ورياستها يطلبون ، ومنهم شياطين الإنس عن الآخرة يصدون وعلى الدنيا يتكالبون ، وإلى جمعها يهرعون ، وفي الاستكثار منها يرغبون ، فهم في الدنيا أحياء ، وفي العرف موتى ، بل العرف عندهم منكر ، والاستواء بين الحي والميت معروف » .
« فتفقدت في الأصناف نفسي ، وضقت بذلك ذرعا ، فقصدت إلى هدي المهتدين بطلب السداد والهدى ، واسترشدت العلم ، وأعملت الفكر ، وأطلت النظر ، فتبين لي من كتاب اللّه ، وسنة نبيه وإجماع الأمة : أن اتباع الهوى يعمي عن الرشد ، ويضل عن الحق ، ويطيل المكث في العمى ، فبدأت بإسقاط الهوى عن قلبي ، ووقفت عند اختلاف الأمة ، مرتادا لطلب الفرقة الناجية ، حذرا من الأهواء المردية ؛ متحرزا من الاقتحام قبل البيان ، والتمس سبيل النجاة لمهجة نفسي » .
« ثم وجدت أن سبيل النجاة في التمسك بتقوى اللّه ، وأداء فرائضه ، والورع في حلاله وحرامه ، وجميع حدوده ، والإخلاص للّه تعالى بطاعته ، والتأسي برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم » .
« فطلبت معرفة الفرائض والسنن عند العلماء بالآثار ، فرأيت اجتماعا واختلافا ، ووجدت جميعهم متفقين على أن علم الفرائض والسنن عند العلماء باللّه وأمره ، الفقهاء عن اللّه ، العاملين برضوانه ، الورعين عن محارمه ، المتأسين برسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، والمؤثرين الآخرة على الدنيا ، فالتمست من بين هذه الأمة الصنف المجتمع عليهم ، واقتبست من علمهم ، فرأيتهم أقل من القليل ، ورأيت علمهم مندرسا كما قال صلّى اللّه عليه وسلم : « بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود غريبا ، كما بدأ ، فطوبى للغرباء » . وهم المتفردون بدينهم » .
« فعظمت مصيبتي لفقد الأتقياء ، وخشيت بغتة الموت أن يفجأني على اضطراب من عمري ، لاختلاف الأمة ، وانكمشت في طلب عالم لم أجد لي من معرفته بدا ، ولم أقصر في الاحتياط ، ولا في النصح ، فقيض لي الرؤوف الرحيم بعباده قوما وجدت فيهم دلائل التقوى ، وأعلام الورع ، وإيثار الآخرة على الأولى » .
آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 21
مساهمون: الحارث المحاسبي
ص٢١