تخطي إلى المحتوى الرئيسي

آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم ) — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣
ينأون عنهم ، ويحذرون من مجالسهم . . . فالإمام أحمد أغلق بابا كان بينه وبين ابنه صالح ، لأنه قبل عطاء من السلطان ، وعلى فراش الموت لا يجد ما يكمل به كفارة يمين فيتقاضاها من أجر قليل لعقار كان يعيش منه . والمحاسبي يصيبه الضر من الجوع ويرفض ميراثه من أبيه ورعا لأنه كان قدري المذهب . . . ولكن أمثالها لم يكونوا كثرة تتوازن مع أعداد العلماء في ذلك العصر ، بل كانوا قلة بحث عنها المحاسبي جهده ، ووصفهم بوصف يأباه الكثير من العلماء وهو أنهم كانوا من أهل خمول الذكر ، وأهل الخفاء . أي من الذين يكرهون الشهرة والأضواء ، ويعشقون العمل في خفاء وكتمان . كانت الرؤوس قد فسدت ففسد الشعب ، وكان على العلماء أن يشخصوا المرض ويصفوا العلاج وكان تشخيص المرض يحتاج إلى خبرة نفسية هائلة ، لأن الناس كانوا قد أصيبوا بحالة من « الأرق الفكري » . أي إن هناك السمت الإسلامي ، والعمل غير الإسلامي . وهناك اللسان اللهج المجادل المناقش في قضايا الإسلام ، والخواطر الشيطانية المعارضة لنقاء الإسلام . . . وكان المحاسبي فيما يبدو لنا هاويا للتحليل النفسي ، والكشف عن العقد وحلها على ضوء الإسلام النقي القائم على الكتاب والسنّة وسير الخلفاء الراشدين . يروي الجنيد البغدادي أن المحاسبي كان يخرجه من بيته إلى الصحراء ثم يقول له : سلني عما لقيت من نفسك ، فيسأله والحارث يجيب ، ثم يمضي الحارث إلى بيته فيسجل تلك المناقشات ، ويصنع منها كتبا . فهو يكشف عن حاجات النفوس من واقع مطالبها ، ولا يفرض على المجتمع رأيا ولا فكرا بعيدا عن حاجاته . . . والذي صنعه مع الجنيد البغدادي صنعه مع غيره ، بل إن المصادر تروي أنه كان يجتمع بتلاميذه ليلا بعد صلاة العشاء ، فلا يبدأهم بحديث حتى يسألوه فيرد على أسئلتهم إلى صلاة الفجر . . . ومن هنا فقد وفي المحاسبي بحاجات عصره ، على العكس من كتابنا ومفكرينا اليوم الذين ملأوا الدنيا كتبا وما زال الشباب حائرا لا يدري من طريقه دربا من حفرة ، وما ذاك إلّا لأنه فكر مفروض ، لم يتحر فيه كاتبوه أن يكون صورة واقعية لمصادر الحيرة في عقول الناس . والمحاسبي يعود إلى الإسلام الأول الذي كان عليه الصحابة ، ذلك السلوك الذي كان نابعا من ربط الحياة الدنيا بالآخرة ربطا وثيقا ، باعتبار الآخرة حافزا أساسيا على الالتزام قلبا وقالبا بأخلاق الإسلام . أما أن تنفصل الآخرة عن الدنيا فهذا هو أصل الداء الذي عانى منه مجتمع الإسلام منذ عصر المحاسبي ، حيث كانت الدنيا وحدها هي الحافز على غيرها لدى