السواد الأعظم من الناس الذين لا يجدون مرشدا ولا راعيا أمينا يردهم عن الشتات إلى مجتمع الجسد الواحد .
كان هذا الداء قد أعضل حتى لم تجد في علاجه حلقات الفقه ولا مجالس الحديث ومصطلحاته : لأن هذا الداء في الحقيقة كان قد انتشر على صورة وبائية لا تفرق بين عالم وجاهل ، ولكن إصابة العلماء به كانت خطرا ما بعده من خطر . ولنستمع إلى المحاسبي يقرر الواقع في مجتمعه فيقول عن العلماء :
« . . . فإن علا في الناس أمرهم ، واضطرب الصوت بهم ، وحمد بعض شأنهم ، ووصلت النفوس إلى أمنيتها من اضطراب الصوت ، وعلو الذكر ، وكادت النفوس تستصغر من ليس من شأنهم ، وتستجهل من جهل علمهم ، وتزدري بمثل من لم يكن في أحوالهم ، فقد دهوا وما يشعرون » .
« وبعد ، فإن قديم الحيل تستقبل لهم ما قد دهاهم به ، فيجد لهم مكائد موبقات ، وعساه يأتي الكبير منهم كهيئة الناصح له ، فيخطر بقلبه : أنك قد أوتيت حظا من العلم ، فما لك والشهرة ، والتعرض للفتنة ، شأنك والعمل بما قد علمت . ويحه ، لقد دهاه وعرضه للهلاك وما يشعر » .
« فعند ذلك ينفرد بعصابة من أكابرهم اتبعوه من أصاغرهم ، واعتزل إعجابا بما وصل إليه من العلم والعبادة ، وما يشعر بإعجابه ، ولا يشك أن الصواب في اعتزاله « 1 » في قوله وفعله ، ولا يعلم ما قد دهي به ، فحينئذ يخالف الشيطان بين أهوائهم ، ويفرق شملهم ، ويشتت جمعهم ويجعلهم أحزابا ، ويزين عند كل صنف منهم شأنه ، ويعيب عندهم أحوال من يخالفهم ، فأغوى بعضهم ببعض ، ودل بعضهم على عثرات بعض ، ولقن بعضهم حججا على بعض كهيئة الناصح لهم ، فيكيد جمعهم بمكائده وما يشعرون » .
« وعسى القوم يبدون ما في النفوس ، ويطلبون العثرات ، ويظهرون العيوب ، ويتفكهون بالغيبة ، ويقولون الزور ، ويترامون بالبهتان ، ويشهد بعضهم على بعض بالعظائم ، وينسبه إلى الكفر والضلال ، أعاذنا اللّه وإياكم مما حل بهم » .
وأفاض المحاسبي طويلا في أسرار هذا الصدع الذي أصاب مجتمع الإسلام في شخص علمائه ، معرضا بالمعتزلة الذين ينطبق نقده عليهم تمام الانطباق . فهم الذين انشقوا إعجابا بأنفسهم ، وهم الذين كفر بعضهم بعضا ، حتى ألف : المرداد ، والجبائي ، وجعفر بن حرب ، من رؤساء الاعتزال كتابا في تكفير أبي الهذيل العلاف ، وكشف فضائحه التي تعتبر بحق ثلما في حصن الإسلام المنيع .
هامش
( 1 ) لعله يعرض بما فعله واصل بن عطاء زعيم المعتزلة . فقد كان المؤلف شديد الإنكار عليهم .